logo

الهرمينوطيقا والقراءة العصرية للنصوص الدينية

مصطلح الهرمينوطيقا مصطلح قديم بدأ استخدامه في دوائر الدراسات اللاهوتية، ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التى يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس". ويعود قدم المصطلح للدلالة على هذا المعنى إلى عام 1654م، ومازال مستمرًا حتى اليوم خاصة في الأوساط البروتستانتية.

ويلخص الدكتور نصر أبو زيد مسيرة التـأويلية، ثم يركز على الثمرة التي اقتطفها عبر تلك المسيرة فيقول: (وهكذا بدأت الهرمينوطيقا- عند شليرماخر(1843م) بالبحث عن القوانين والمعايير التي تؤدي إلى تفسير النصوص الأدبية، ولكنها بين البداية وتطورها المعاصر فتحت أفاقًا جديدة من النظر، أهمها –في تقديرنا– لفت الانتباه إلى دور المفسـر أو المتلقي في تفسير العمل الأدبي والنص عمومًا.

هناك من اتبع منهج المادية الجدلية في أبشع صورها الإلحادية، ويريد إثباتها من خلال الآيات القرآنية واللغة العربية في مزيج يصـرخ بالتناقض.

وتعد الهرمنيوطيقا الجدلية عند جادامر بعد تعدلها من خلال منظور جدلي مادي نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسـر بالنص لا في النصوص الأدبية ونظرية الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن، لنرى كيف اختلفت الرؤى، ومدى تأثير رؤية كل عصر-من خلال ظروفه- للنص القرآني ومن جانب آخر نستطيع أن نكشف عن موقف الاتجاهات المعاصرة من تفسير النص القرآني، ونرى دلالة تعدد التفسيرات –في النص الديني والنص الأدبي معًا- على موقف المفسر من واقعه المعاصر، أيًا كان ادعاء الموضوعية الذي يدعيه هذا المفسـر أو ذاك.

وليكن هذا النقل عن الدكتور نصر حامد أبو زيد –وما سوده في الصفحات التي سبقته في كتابه إشكاليات القراءة وآليات التأويل ص13- مادة للنظر والتحليل، وبه تتكشف حقائق هامة:
منها: أن التأويلية أو نظرية التفسير الغربي كانت ثمرة تفاعل الكنيسة البروتستانتية، مع العلمانية وربيبتها: المادية الجدلية، مما يستدعي في الذهن البون الشاسع بين القرآن: كلام الله المحفوظ والكتاب المقدس: كلام القديسين من البشـر، وما كان منه ينسب إلى التوراة أو الإنجيل فقد نص القرآن على امتداد أيدي البشـر له بالتبديل والتحريف.

ومنها: تباين مدارس التأويلية مع اتفاقها جميعًا في نزع القداسة عن النصوص الدينية وإخضاعها لمجال النقد ومناهج البحث الأدبي على خلاف بينها في تحديد المنهج المتبع. إلا أن الخلاف بين مدارس التأويلية من وجهة النظر الإسلامية: خلاف في درجة الشطط وليس خلاف في الجوهر؛ لأن أساسهم الفلسفي المادي واحد، فخلافنا معهم كمسلمين في أساس الفكر وأصل العقيدة، لا في مسائل النظر والرأي.

والخلاف بين التلاميذ في الداخل كالخلاف بين الأساتذة في الخارج، فكل تلميذ في أرضنا قد يتبنى كلام أستاذه، وقد يتوهم أحدهم أنه مبتكر، ومبدع، وأنه استطاع أن يقيم الحوار مع الغرب ويأخذ النافع من وجهة نظره ويرفض ما يرفض، فإذا نظرت في حقيقة هذا الابداع تبين لك أنه القدرة على الخلط بين آراء الأساتذة والخروج بطبخة غربية تحمل نَفَس الطباخ الشـرقي.

ومن أهم تلك الحقائق: أن العامل المشترك الذي يجمع بين الاتجاهات المتباينة في الداخل والخارج هو إهمال البعد المصدري للقرآن والسنة وتهميش أثره في فقه النصوص، وإن اختلفوا بعد ذلك في طريقة هذا الإهمال. فمنهم من ركز على العلاقة بين المفسر والنص مهمشًا العلاقة بين المتكلم والنص كالدكتور نصر حامد أبو زيد و أستاذه الدكتور محمد أركون –على خلاف بينهما أيضًا. ومنهم من أهمل العلاقتين وركز على النص واعتبره قالبًا فارغًا يملأ بمضمون كل عصـر كالدكتور حسن حنفي. ومنهم من تذبذب بين هذا وذاك ولم يعتقد نظرية بعينها، وإنما اكتفى بالثمرة المتمثلة في القراءة العصـرية كحال أكثرهم ابتداءً بالمحامي خليل عبد الكريم ومرورًا بالمستشار العشماوي والدكتور الجابري والدكتور القمني وانتهاءً بالكاتب أحمد عبد المعطي حجازي.

وإذا كانت الأسماء السابقة تنوعت في اختيار أزيائها فمنهم من لبس العلمانية ولم يخفه ومنهم من ارتدى زي اليسار وجهر بالدعوة إليه. ومنهم من سلك سبيل التنظير لمذهبه وآخرون سلكوا سبيل التشنيع على الخصم، إلا أنهم جميعًا كانوا في المعسكر المقابل لأبناء الصحوة الإسلامية ولذلك كان خطرهم محصور في فئة بعينها.

أما الخطر الأكبر فقد كان من الذين تبنوا بعض تلك الأفكار العصـرانية وهم محسوبون على التيار الإسلامي العام، على تفاوت بينهم في الخطر لتفاوت مواقعهم داخل هذا التيار وكان من أبرز الأمثلة لهذا النوع الدكتور الترابي والكاتب جمال البنا؛ فقد حمل بعضهم لقب المفكر الإسلامي لدى القطاعات التي آمنت به. وكان أعجبهم على الإطلاق من أراد أن يسلك كل هذا السبل على تناقضها فيجهر بالمادية الجدلية في أبشع صورها الإلحادية، ويريد إثباتها من خلال الآيات القرآنية واللغة العربية في مزيج يصـرخ بالتناقض، وكان رائد هذا الاتجاه الدكتور المهندس محمد شحرور.

حتى الاتجاهات الغربية التي أظهرت التركيز على مبدع النص كالرومانسية اعتبرت أن ذات المبدع وما يقصده منطقة غامضة يصعب الوصول إليها بموضوعية علمية من خلال النص الذي تتعدد دلالاته بتعدد القارئين، ومن ثم أفسحت مجالًا لذاتية الناقد في فهم النص، وحولت عملية نقد العمل الفني إلى إبداع جديد، فيما عرف في عالم النقد الأدبي بالانطباعية.

وقد نبه العلماء على أثر حال المتكلم في فقه دلالات الخطاب، أو ما يسمى بأثر البعد المصدري في فقه النصوص، والمراد من الحديث حول البعد المصدري للنصوص الدينية يتلخص في النظر إلى أمرين: أولهما: عصمة النص الشرعي وقدسيته وتعاليه، والثاني: الصفات التي يتصف بها صاحب الخطاب الشرعي.

من أهم المفارقات بين الخطاب الشرعي وغيره من الخطابات ما يتمتع به الأول من خاصية العموم زمانًا ومكانًا وأشخاصًا.

فمن المعلوم أن النصوص الشرعية في التشريع الإسلامي نصوص موحاة متمثلة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه المصطفى، وهذه النصوص بما أنها وحي من الله تعالى إلى الرسول فإنها بالضرورة نصوص معصومة لانقص فيها بوجه من الوجوه، خالية من كل زلة أو هفوة تعتري خطابات الناس.

كما يتحتم على من تصدى لفهم النص واستجلاء دلالته أن يستحضر الصفات التي يتصف بها الشارع الحكيم، وتلك الصفات تعد مسلمات عقدية ضرورية تلقي بظلالها على ذلك الفهم المعرض للخطأ والصواب -في غير النصوص قطعية الدلالة- فتوسع دائرة احتمالية الصواب مقابل تضييق دائرة احتمالات الخطأ. فليس من المستساغ تفسير الآيات من كتاب الله بما لا يتفق مع مقتضـى أسمائه الحسنى، ولا استنباط حكم تفوح منه رائحة الظلم والجهل بالأمور وعواقبها.

لذا كان من أهم المفارقات بين الخطاب الشرعي وغيره من الخطابات ما يتمتع به الأول من خاصية العموم زمانًا ومكانًا وأشخاصًا؛ فهذه الخاصية رفعت من مستوى الخطاب الشرعي فهو صالح لجميع الأمكنة: للجزيرة العربية ابتداءً، ولجميع أصقاع المعمورة انتهاءً.

وصالح كذلك لكل الناس على اختلاف طبائعهم وثقافتهم ومركزهم الإجتماعي. وترجع هذه الصلاحية ابتداءً لسعة علم الله وكمال حكمته وطلاقة قدرته ومشيئته، ثم لما انطوى عليه هذا الخطاب الرباني من المبادئ والأسس التشريعية المنعوتة بالثبات والبداهة والوضوح الذاتي والديمومة والخلود والعالمية، الذي كفل تدفقه بالتشريع المناسب الموفور لكل مستجد، وضمن بسط هيمنته على الأبدان والجنان.

إذن إهمال البعد المصدري أو تهميش أثره في تفسير النص هو جوهر العصـرانية، ولب العلمانية، وغاية النزعة الإنسانية، وهدف المادية، وأساس كل النظريات التأويلية والقراءات التحريفية والمسماة بالعصـرية.



حول هذه القصة

جماعة الأحرار فصيل إسلامي مسلح منشق عن حركة طالبان باكستان، يهدف أساسا لتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان والعالم، ويتبنى من حين لآخر هجمات دامية ضد الأقليات الدينية والمسؤولين والمؤسسات الحكومية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة