logo

الرأسمالية.. طريقك إلى الجنة

يخالجني شعور دائم أن الناس يواجهون صعوبة بالغة في فهم واستيعاب اللحظة الآنية التي يحيونها بينما يتبارون للتنبأ بالمستقبل وشرح الماضي وتفكيكه.

ورغم أن الناس يدركون أن ثمة عطب أو أعطاب ما في الحياة التي يحييونها ورغم أن تلك الأعطاب تنتج كل تلك المشاكل اليومية التي يعيشونها بتفاصيلها إلّا أنهم عادة لا يدركون مصدر هذه الأعطاب أو مصدر هذه الشرور كلها التي لا ينفكون أن يخرجوا من إحداها حتى يقعوا فريسة لأخرى.

سيقولون لك إن كان المال قد أمن لك البقاء كله فهو بالتأكيد يشتري السعادة. إن كنتِ قبيحة فهذه المساحيق ستحولك لملكة جمال

أحد أسباب هذا الفشل الإدراكي هو أنهم للأسف منخرطون كتروس في قلب آلات الشر تلك، التي يعتقدون أنه لا يوجد حياة خارجها ولا يعتقدون بوجود حياة بعدها إذا ما فنيت. أحد أعظم هذه الماكينات التي تطحن الناس وتشكلهم على هواها هي ماكينة الرأسمالية.

ما تقوم به هذه الماكينة الضخمة شيء مرعب ينبغي الوقوف أمامه ومحاولة إيقافه بأي ثمن، لكن كيف يقوم النساك بهدم معبدهم، كيف يقوم العمال بهدم صرحهم العظيم الذي شيدوه، كيف يهدم الناس الرأسمالية وهم أساسها ؟ ربما يفعل الناس هذا عن قصد أو دون قصد، لكنهم صاروا مستأنسين لا يخشى منهم ولا يرجى شيء.

في البداية يسوقون لك -أو ربما هي الحقيقة لست متأكدًا تمامًا- أنك في صراع دائم مع الطبيعة وباقي البشر من أجل البقاء، وبالطبع أنت لا تريد الموت، إذن عليك أن تفعل أي شيء وكل شيء من أجل أن تبقى، وبعد أن تقتنع وستسألهم ماذا أحتاج من أجل البقاء؛ حينها سيبتسمون ابتسامة نصر خفيفة فاتحين لك أحضانهم، مرحبًا بك في جنتنا، رأسماليتنا هي طريقك إلى الجنة، جنة الأرض.

كل ما تحتاجه هو المال، وبالطبع لن يقول لك أحدهم صراحة أن كل شيء متاح من أجل الحصول على المال، أو أنه يجب عليك أن تكون مخادعًا غشاشًا لكي تحصل على المال، لكنهم سيقولون لك أن الصدق والأمانة ومراعاة الآخرين إلى آخر قائمة الصفات الكريمة موجودة فقط في الجنة بينما نحن على الأرض بقوانين الأرض، أو أن هذه الصفات صفات خاصة بالضعفاء وأنت بالتأكيد لا تريد أن تكون ضعيفا. فتقوم أنت لا إراديًا بأخذ الجانب الآخر من المعادلة؛ الجانب القوي لأجل البقاء فقط.

في الرحلة التي ستنتهي بإنسان آخر غير الذي بدأها وبعد أن تأخذ حد الأدنى الذي يبقيك حيًا، تقوم المنظومة بالقيام بعدة عمليات وحيل تجعلك فريسة سهلة لها لتضمن هي شخصًا جديدًا تقوم باستغفاله.

أول هذه العمليات هي‘‘أنت دائمًا ناقص‘‘ هنا تقوم المنظومة من إخلال الإعلانات الموجودة حولك في كل مكان بإخبارك أنك لست مكتملًا وتحتاج إلى المزيد، تحتاج لأن تشتري هذا المنتج ليزيد ذكاؤك أوثقتك بنفسك.لا تقلق لن يقولوا لك أنك غبي أو خجول، لكنهم سيخبرونك أن هذا المنتج هو الذي سيجعلك ضمن المتميزين.

في الحيلة الثانية، سيقولون لك إن كان المال قد أمن لك البقاء كله فهو بالتأكيد يشتري السعادة. إن كنتِ قبيحة فهذه المساحيق ستحولك لملكة جمال، إن كنتَ سمينًا فهذه الحبوب ستجعلك لاعب جمباز أسرع مما تتخيل لا تهم مشكلتك التي تعاني منها ، والتي قمنا نحن باختلاقها في المرحلة الأولى، المهم هي أننا نمتلك حلها لك والحل مضمون مئة بالمئة.

عليك أن تعمل أكثر لتشتري أكثر حتى تصير من المميزين الأقوياء أم تريد أن تكون من الضعفاء المهمشين؟

في المرحلة الثالثة، وبعد أن جربت بنفسك المال وهو يؤمن لك البقاء ويشتري لك السعادة، وإن كانت السعادة تشترى فإن كل شيء في هذه الدنيا يمكن شراؤه، لكن لكي تشتري أكثر – لا يهم ماذا ستشتري أو هل تحتاجه أم لا – المهم هو أن عليك أن تعمل أكثر لتشتري أكثر حتى تصير من المميزين الأقوياء أم تريد أن تكون من الضعفاء المهمشين؟

لن يخبروك أنه عندما تعمل أكثر سيزيد ثراؤهم وتبقى أنت تصرف أموالك على منتجاتهم التي لا تعرف متى شعرت بالرغبة في امتلاكها؟

وتبقى أنت وغيرك في الدائرة، تعملون كعبيد عندهم، يتباهى كل منكم بشروط عبوديته بينما تصرفون أموالكم على منتجات أسيادكم دونما أن تفكروا للحظة واحدة.

في المقابل، يزداد الأثرياء ثراءًا ويزداد الفقراء فقرًا، وعند الأزمات سيخرج عليكم الأثرياء يطالبونكم بالصبر وأن الجوع لم يكن عيبًا يومًا. وحتى إن رفضتم الصبر وربط الأحزمة، فماذا بإمكانكم أن تفعلوا، لقد قمتم أنتم ببناء أسوارهم التي يختبئون خلفها، وقمتم أنتم بتصنيع الأسلحة التي سيقتلونكم بها..

حتى أطفالكم تبرعتم بهم ليكونوا جنودًا لهم. لكن لا تخافوا لن يتركونكم تموتون جوعًا، لهذا خلقت القروض التي ستردونها لنا أضعافًا مضاعفة أو ستقومون بوضع عدة إعلانات طريفة على منازلكم، سياراتكم وملابسكم.

جميلة هي الرأسمالية تخلق عالمًا مليء بالأنانية والفردية، عالم لا يعرف معنى للإيثار، ولا يعرف معنى للنجاح سوى النجاح الفردي والخلاص الفردي، لا مكان للجماعة لكن المكان يتسع لكل الأفراد، لا مكان للبشر العاديين الغير متميزين " لن نقول غير الأغنياء كي لا نجرح مشاعرهم ".

وللأسف قد تحدث بعض المآسي والمصائب مثل المجاعات بسبب عدم قدرتنا على التوزيع العادل للثروات والحقوق، وقد تنشب بعض الحروب فتجار السلاح من حقهم أيضًا أن يحصدوا بعض المال فلقد عملوا لأوقات طويلة هذا العام. يطول الكلام عن استعبادهم لنا بكل الصور والوسائل ولا أجد

في النهاية لا أجد تلخيصًا أفضل لهذه الحال سوى كلمات قصيدة "البنكنوت" للشاعر المصري مصطفى ابراهيم:

الهوا ..
هيحَصّل المَيّة اللي بقت ماركات
تعددية تعني تعدد الشركات
حرية تعني حق فتح القفص ..
على الناس اللي ملهاش باب
الأخطبوط الرأسمالي اتساب
على الناس اللي ملهاش حظ
على الناس اللي ملهاش فرص
حياتك.. مهمة لبياعين الحلم
وفاتك.. مهمة لبياعين القُرَص
حسابك حتى في قبرك ..مهم

رخصة الجنة مهمة لبياعين الرُخَص
و لبياعين الدين
و لبياعين الآخرة اللي هتنصف المساكين
"العالم بيتطوّر" ..
يمشي إسم مسرحية..
أما الحقيقة المضحكة المُبكيّة..
العصاية اللي بتوقّف و بتدوّر.. بتمشي..
من إيد صحاب الجنة..
لصباع صحاب البندقية..
لجيوب صحاب البنك…
دم الغلابة بيتحرق ف التانك…
شامم ريحتهم و انتا بتفوّل ؟…
الغرب هيموّل..
إعمار ِبيار النفط..
لضمان زيادة منسوبات الشفط…
و ضمان بقائك عبد متسوّل…
يا زميل الكوكب المنكوب..
رَكب الحضارة ماشي بالمقلوب…
يا زميل المنطقة المنكوبة…
رَكب الحضارة كان لازم له ركوبة…
العالم .. بيتطوّر…
و انتا شمعة بتتحرق علشان .. برج التجارة ينوّر..



حول هذه القصة

يبدو أن الرأسمالية أصبحت هدفا لتوجيه اللوم عن أمور كثيرة ومنها الفقر والتفاوت بين الناس والبطالة وحتى الاحتباس الحراري. وكما قال البابا فرانشيسكو “إن هذا النظام أصبح الآن لا يُطاق”.

فيلسوف ومفكر سياسي واقتصادي، انتقل من المثالية الهيغلية إلى المادية، وانتقد الرأسمالية، واشتهر بنشاطه الثوري في صفوف الحركة العمالية. ألَّف كتاب “رأس المال” وساهم في صياغة بيان الحزب الشيوعي.

كان الهبوط الأخير الذي سجلته سوق الأوراق المالية في شنغهاي ومنطقة شنتشن بمثابة اختبار فريد للحكام الشيوعيين بالصين, وبدأ الحزب الشيوعي الصيني تدابير تصحيحية يائسة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة