logo

أسمع جعجعةً.. ولا أرى طحنا

بعيدا عن منطق السياسة وبعيدا عن تحليل أبعاد القضايا العالمية والمحلية..بعيدا عن كل المضايقات التي تنتظر المسلمين أينما كانوا.. بعيدا عن كل هذا الهراء رغم كونه منطقيا وحقيقيا..

لا بد لنا من العودة إلى البيت الداخلي لأن الصدع يأتي من الداخل ولأن الانهيار الحقيقي يكمن في انهيار جدار المناعة، قد يتساءل البعض ها نحن نعيش يومنا ونحلم أحلامنا ولا ضير فيما نفعله، مطالباتنا بالحرية وبالعدالة وبمفردات حقوقية لا تتجاوز منطق الرغبة في أن نمضي قدما يدا بيد مع أنظمتنا..

مهما حاولنا تبرير أفعالنا ندرك تماما أن هناك جرحا نخفيه، وأن هناك مخاضا عسيرا ومعارك طاحنة في بيتنا الداخلي.

التسليم بهذه الحقائق أمر مفروض لا جدال فيه لأنها بالتأكيد بعيدة عن مبدأ أرسطو أن الناس ليسوا متساويين بحكم الطبيعة وإنما يولد بعضهم للعبودية، ويولد الآخرون للسيطرة، العبيد يحبون العبودية كما هم أولو الأمر يحبون وحششيتهم.

الحاكم المطمئن إلى عرشه لم يكن ليخشى تمردا ولا حربا ولا مؤتمرين؛ لا يكون القوي قويا حتى يمتلك أمر الطاعة من الجميع يؤدونها وفق ما يشاء وهذا واقعنا نحن نطبقه حرفيا في بيوتنا وفي كل مكان نمنح فيه تقاليد السلطة.

لا يجب أن تكون مطالبا للحرية حتى تستشعر بالظلم لأن جينه في الواقع داخلك. نغيب أنفسنا عن المسؤولية وذلك لإضراره بنا أولا، ولأنه بلا محالة يثبت فشلنا.

الفشل في أن نكون راضين بمبدأ العدالة التي يرغبها الجميع والتي تكفل ببساطة تحقيق الحد الأدنى من معايير حرية الممارسة مما يريده أي من أفراد المنظومة في الخلية الأولى وهي الأسرة، قد لا يقبل هذا على محمل الجد وهذا ما تثبته نسب الطلاق والعزوف عن الزواج والعنف الأسري والتسيُّب المدرسي وانتشار الأوبئة المجتمعية بتزايد حالات الاغتصاب والشذوذ الجنسي والإدمان.

هذه الحقائق نقف بعيدا عنها كوننا عاجزين عن حلها لأن حلها ببساطة في قبول الآخر واحترام متطلباته ومنحه ما يريد وفق قانون وضعي وشرعة يقبلها جميع الأطراف، رافضين مبدأ السيد والمسود والسيد والعبد رغم أنها تحقق أعلى مستويات الانتشار والرضوخ والاستجابة السلوكية، وذلك بممارستها على نحو إيجابي كما في مجتمعات غرب آسيا كاليابان والصين على سبيل المثال؛ حيث يعتبر النظام الأبوي من أنجع الأنظمة الاقتصادية والمجتمعية العالمية التي استطاعت على مدى أقل من عقد من الزمان رسم خارطة طريق تحول الكارثة إلى نجاح المفاهيم التي نسعى إليها نحن في الواقع.

هي خليط من رغباتنا ومشاهداتنا في أن نمنح ما نجح الأوروبي والأمريكي في تحصيله بأن يعيش حرا، لكننا أغفلنا حقيقة القرون الغابرة التي عانى فيها الغرب من التسلط الديني والانحلال الخلقي والعبودية الفكرية، وصفحات التاريخ تقر بفجائع لا يمكن نسيانها، لكنهم اتفقوا اتفاقا أدبيا على العودة إلى منطق الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية والصيغة المصغرة لأي تنظيم، وسعوا إلى إصلاحها وتجذير مفاهيم التعاون والمصلحة العامة وعدم تعارض المصالح الفردية معها، وتفعيل أساليب حوارية تضمن حرية الآخر واحترام رغباته مع مشاركة فاعلة في مجتمعاتهم بدءا من المدرسة، محققين بذلك انسيابية في العلاقات وضمان نجاحها.

إن استطعنا أن نصل بفكرنا إلى الحد الأدنى من ذلك فإننا نكفل للأجيال القادمة معيشة قائمة على العدالة والكرامة والحرية التي نريدها، فلا يمكننا بأي شكل من الأشكال أختزال الظلم والقهر والاضطهاد وإلحاقها بالأنظمة والاستمرار بمهاجمتها والتنادي بمبادئ الحرية العامة وضمان المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

كل ما نطالب به كان أحرى بنا أن نعيشه واقعا ملموسا باعتبارنا ورثة حضارة ضربت جذورها في التاريخ؛ حيث كانت عقيدتها التسامح والاحترام والأمان والذي يأمن فيه الواحد منا على عرضه وماله ونفسه من الآخرين بضمان عدم قيامه بالإقدام على العدوان إن كان مبدأ التآخي والمواطنة من الحروف الأولى للدولة الإسلامية فيما مضى، فهي اليوم تمارس شذوذا واضحا في العدوانية وتآكل القيم ما نحاول إخفاءه في ممارساتنا اليومية هو مدى بشاعتنا في بيوتنا وعلى وسائدنا وحول موائدنا وفي تعاملاتنا البسيطة مستخدمين أقصى ما يمكن استخدامه من طلاء ومساحيق تجميل وألبسة تحمل ماركات عالمية في الحب والنقاء، والكثير الكثير من معاجم الكلام المعسول والحوار الفكري، وكل منا يخفي ذئب الرغبة في عينيه ومشاعر الاستبداد والسيطرة على الآخر والانقياد.

مهما حاولنا تبرير أفعالنا ندرك تماما أن هناك جرحا نخفيه، وأن هناك مخاضا عسيرا ومعارك طاحنة في بيتنا الداخلي.

إن نجحنا مؤقتا في إخفائه فصبره لن يطول، فالمشاهدات اليومية لضحايا العنف سواء ضد المرأة أو الطفل أو الاعتداء على المنظمة الحكومية أو قصص الانضمام لخلايا إرهابية وغيرها مما فاحت رائحته ووباء لا يمكن إقصاؤه أو بتره أو الانسلاخ عنه، لأنه ببساطة من فعل أيدينا لن نكون بهذا كغروسيوس في حق الغالب في قتل المغلوب، لأنه لا يحق لأحد إراقة الدماء حتى في أبشع اختلافاتنا الفكرية كانت أم العقائدية.

اعتدادنا بعنجهيتنا، لن يمنحنا الكثير من الوقت فعندما ينهار السد لن نستطيع حينها مقاومة الفيضان.

تخطيطنا يجب أن يعود أدراجه إلى إعادة بناء وهيكلة وتنظيم البيت الداخلي وخلق أيدلوجية واضحة يتبناها أفراد المنظومة تصب مصالحها الفردية في المصلحة العامة للأسرة، وهي النجاح بما لا يخالف قوانين وإيدلوجية المجتمع والدولة بشكل عام.

إن مجرد اللهث وراء أحلام والتعلق بمفاهيم ومطالبات لا يمكن اعتبارها غير كلاشيهات ترويجية لن تغني ولن تسمن من جوع؛ إنما ستغذي مشاعر الكراهية والشعور بالظلم.

حرب الجياع والفقراء والموجوعين ليس من الصعب القضاء عليها بعيدا عن ممارسات الاستبداد والعبودية وحق امتلاك الآخر بأنفسنا.

نستطيع فعل ذلك والكثير منه بإصلاح نظام التكافل الاجتماعي وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع الواحد، وعمل برامج تشغيل وإعالة وغيرها من المشاريع الإصلاحية.

لن نكون رائدي هذا المجال فقد سبقتنا العديد من دول العالم كماليزيا وأندونيسيا وأثبتت نجاحا منقطع النظير.

عندما نريد الإصلاح فعلينا أن نبدأ فعليا بإصلاح أنفسنا. اعتدادنا بعنجهيتنا، لن يمنحنا الكثير من الوقت فعندما ينهار السد لن نستطيع حينها مقاومة الفيضان.



حول هذه القصة

أسست جمعية حاملات الطيب الأرثوذكسية عام 1926 كمركز صحي يقدم خدماته لأهالي البلدة القديمة والفقراء والمحتاجين، وتوسعت مشاريعها بعد عام 1988 فتم تأسيس مركز “ميليا” للفنون.

تعيش الكثير من العائلات السورية بمنطقة حساروك شرقي أربيل على مساعدات الجيران، ويفتك بكثير منهم الفقر والمرض، وهي سمة يتقاسمها معهم العديد من سكان مخيم قوشتبه جنوب أربيل.

“لا أدري، لكن الظروف تدفعنا للانتحار أو أن نصبح لصوصا”. هكذا أجاب حمدي (ثلاثون سنة) عن سؤال بشأن تلبية متطلبات أسرته براتبه الذي لا يتجاوز تسعمئة جنيه (نحو خمسين دولارا).

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة