logo

أحتاجك في كل لحظاتي

كان يحدثني بكلام جميل، عفواً ظاهره جميل، يتغزل بإنجازاتي وأعمالي. لا أدري لم أرتح لكلامه، ولم يعجبني بيانه، قلبي يحدثني بأنه لا يَصدُقني القول، أو بالأحرى لا يَصدُق نفسه، يقول لسانه ما لا يرضى قلبه!

 

اعتدت على أن أسرح في عيون الناس، وأن اقرأ ما بين سطورها، وما خلفها، أقارن بين الكلام المقول على الشفاه، والكلام المغلف خلفها، يخشى الخروج، ويهاب المواجهة.

 

أن تعيش اللحظة ذاتها، بجمالها وسعادتها، لا يعني بالضرورة أن تكذب على نفسك ومن حولك، أو أن تكذب عليّ وتقول عني ما ليس فيّ، أو تمدح ما لا أملك لتكون ذي قيمة في نظري.

 

بالنسبة لي، فأنا أحب أن أنجز ما عليّ من واجبات وأمضي، لا أنظر في عيون الناس، ولا انتظر منهم مدحاً أو إكباراً لعملي، ولا أسألهم عن انطباعاتهم، لا زهداً في آرائهم، ولا غروراً، ولكنني أستحي من نفسي، إذ لم أحقق طموحاتها وأمالها، فأطرق رأساً حياءً منها، والتزم الصمت إجلالاً لتأنيبها ونقدها!

 

لم أغتر يوماً بإنجاز، ولم تعتريني سكرة الوصول، ولم أرمِ قبعة التخرج زهواً بنفسي، بل رميتها فرحاً بلحظة الإنجاز، كانت لحظة جميلة وحسب، كنت صادقاً مع نفسي، ابتسمت وضحكت من قلبي، وأكملت مشوار طريقي الطويل.

 

الجمال كل الجمال في وجه ذلك الصديق القريب، يبتسم لنجاحاتي، ويحزن لأحزاني، ويغضب لهفواتي وتجاوزاتي

كان صديقي يمدح عملي، بينما كنت أقرأ عيونه التي تذمني وتقول: كان بإمكانك أن تفعل أكثر، ومرة كان صديق آخر يمدح اتزاني وعقلانيتي، بينما كانت رسائل عينيه تصفني بالجبان، وتطالبني بأن أقدم أكثر.

 

لم اطمأن يوماً لصديق كاطمئناني لذاك الذي يعنفني ويواجهني بأخطائي، ولم ارتح يوماً لكلام معسول قيل في حضرتي أوغيبتي، فخوفي من تبدلي يمنع استقرار طمأنينة قلبي.

 

حلمت يوماً أن أرى ما في قلوب الناس حين يتحدثون إلي، وتمنيت أن تصمت ألسنتهم لتنطق أفئدتهم، ودعوت ربي أن يقربني من ذي قلب أبيض، يشف ظاهره عن ما يعتري باطنه.

 

أسوء جليس ذلك الذي يكذب عليّ وأعلم أنه يكذب، كم هي مرّة تلك اللحظة التي تبتسم فيها شفاهنا، بينما تكذّبنا قلوبنا. وأصدق الأصدقاء أولئك الذين يحبوننا على مافينا من علل وأخطاء، وينصحوننا كلما هفونا أو انحرفنا عن مسار الرقي والنهوض، يقيلون عثراتنا، ويصححون أخطائنا.

 

الجمال كل الجمال في وجه ذلك الصديق القريب، يبتسم لنجاحاتي، ويحزن لأحزاني، ويغضب لهفواتي وتجاوزاتي، لا يجاملني ليكسب قلبي، وإنما يرفق بمستقبلي فيصحح مسيرتي ويقيّم خطواتي.

 

كم نخطأ بحق أنفسنا وحق أصدقائنا حين نحرمهم النصيحة الصادقة، ونتودد إليهم بكلام معسول لا يقيهم حوادث الدهر، ولا يزيدهم صلابة أو قوة.

 

الكلام المعسول كالسكر، يحلّي اللحظة، ويجعلها أجمل، لكنه طاقته مؤقتة لا تتجاوز لحظتها، وكثرته يعرضنا لأمراض خطيرة، تفتك بأجسامنا وأرواحنا.

 

صديقي العزيز، إن كنت تحبني فصارحني بحبك، وصارحني بما يروق لك، وما لا يروق لك، اضحك لي ضحكة صادقة، لاني قلبي لا يحب التصنع، ويكشف ذلك النوع من الضحكات والمجاملات، صححني إن أخطأت، فهذا أحب إليّ من كلام يتناثر على طرف لسانك، ولا يصل إلى قلبي، واعلم أنني أحب من الأصدقاء، الأقوياء الصرحاء، أنتشي بضحكاتهم حال فرحي، وأتدفأ بعطفهم حال حزني، وأتقوى بهم وبنصحهم حال ضعفي.

 

صديقي العزيز، احتاجك في كل لحظاتي!



حول هذه القصة

ليتني آخرُ مَن يُدرِكُ.. أنّ الحبَّ كي يخمدَ في قلبي سيحتاجُ إلى عَشرةِ آلافِ قرونِ.. ليتني أدرك أنّي كي أرى إخوانَ رُوحي.. بِعُيون القلبِ… كم أحتاجُ للحُزنِ الدّفينِ.

كل عمل يبدأ صغيراً ثم يتدرج في النمو والتطور، وهذه سنة كونية، وطبيعة بشرية، لذا لا تحاول تخطي المراحل وحرقها من خلال التسريع غير المدروس، فهذا يقتل العمل، ويرهق الموارد

يا شَامِخًا كالطّوْدِ … يَا مُتَرَفّعًا كَالنَّجْمِ فِي الأَفْلاكِ … يَا مُتَوَقّدّا قِفْ فِي ضَياعِ الحَقِّ حَقًّا ثابِتًا وَأَضِئْ بِلَيْلِ التّائِهينَ الفَرْقَدَا وَأَعِدْ عَلَى أَسْماعِنا: يَا قُدْسَنا وَاصْرُخْ بِنا مُتقَاعِسِيْنَ وَرُقَّدَا

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة