أمٌّ سيئةٌ جداً

blogs- الأم

لا يمكنكِ إدراك أهمية الحياة وعمق مسؤولياتها وعظيم بنيانها إلا عندما تنجبين طفلاً تحملينه في أحشائك تسعة أشهر، وفي قلبك العمر كله. كنت في طفولتك تصبّين عاطفتك على دميةٍ قماشيةٍ تلفين حولها غطاءً يقيها البرد، وتسريحين شعرها وتضعين قطراتٍ من الماء على ملابسها وكأنها طفلٌ بلل نفسه ويحتاج إلى التنظيف، حتى تقومين بإلباسه ووضعه على ثديك الصغير ليرضع وينام، لتكون الأمومة مزيجاً من التسلية واللعب.
 

وعندما تباغتك الأيام وتجدين نفسك أماً لكائنٍ من روحٍ وحياة، تستيقظ لديك أحاسيسٌ ومشاعر ما كان لها وجود، وتنشأ لديك مخاوفٌ وصراعات دفينة تجعلك تعدين الأرقام كلها قبل اتخاذ أي قرار، وتجتهدين في حساب نتائج أفعالك وتأثيراتها على حياة أطفالك، لتسلكي بعضها بعزيمةٍ وإصرار، وتتخلي عن أخرى بتراجعٍ واستسلام.
 

وإذا ما أعطيت نفسك فسحةً من الراحة، وقررتي أن تعيد التفكير بروحك التي أفنيتها في إسعاد غيرك، يبدأ شعورٌ بالتقصير والأنانية يسكنك، خوفاً منك على المساس بنظام عائلتك

أنتِ كائنٌ بألف طاقةٍ وجسد، تفتحين عينيك مع صراخ رضيعٍ تجهلين سببه، أو بضحكةٍ منعشة من ثغره البريء، لتنطلقي بعدها إلى مهامٍ جسيمة موكلة إليك، من تنظيف المنزل وإعداد الطعام والاعتناء الكامل بابنك من أصغر الأشياء إلى أكبرها، لتنهي يومك منهكة القوى، خائرة الحواس، ترتمين على وسادتك مجهدة دونما أية قوة، لتعادوي الكرة مع صباح اليوم التالي بمسؤولياتٍ تضاف إلى لائحة أعمالك اللامنتهية.
 

وإذا ما أعطيت نفسك فسحةً من الراحة، وحيزاً من الاستجمام، وقررتي أن تعيد التفكير بذاتك التي أهملتها، وروحك التي أفنيتها في إسعاد غيرك، تبدأ مخاوفٌ بالظهور، وشعورٌ بالتقصير والأنانية يسكنك، خوفاً منك على المساس بنظام عائلتك، وإشباع جزءاً من أحلامك في المساحة المخصصة لأبنائك وبيتك.
 

ويزيد توترك بِلة عندما يكون أطفالك في سنواتهم الأولى، يحتاجون إلى رعاية خاصة، واهتمامٍ منقطع النظير، ووقتٍ يفوق الأربع والعشرين ساعةٍ لتلبية احتياجاتهم، فيقع العقل في حيرةٍ مربكة بين عملك الذي تحتاجينه وأولادك الذين يحتاجونك، ويسيطر القلب على قراراتك، ويجعلك ضعيفةً أمام لحظة أمومةٍ لن تتكرر وتُعادُ فرحتها مهما قدم لكِ العمل من فوائد وأرباح.
 

"هل أستطيع أن أحقق المعادلة الصعبة بين أمومتي وغريزة الحب لأبنائي ومسؤوليتي تجاههم، وبين سعي إلى تكوين ذاتي لأبني امرأةً تقدم لذريتها أفضل ما في الحياة وأنبله؟ هل إلى سبيلٍ أسلكه في طريق التوفيق بين ما أريده لنفسي وما أريده لأولادي فلا تبغي إحداهما على الآخر، وأصل إلى تسوية تعطي كلاً حقه؟" متاهات وأحاجٍ ستقعين بها حتماً عندما تتذوقين الحياة مع فلذة كبدك، وتدركين أن حريتك وقراراتك لم تعد ملكاً لك فحسب.
 

ستتفاجئين بطاقتك العظيمة في التوفيق بين أعباء منزلك وحاجات أبنائك ومسؤولياتك الوظيفية، وستعلمين كم أنك معجزةٌ تصنع المستحيل داخل عشها الصغير وخارجه.

ولا تقف المعضلة عند هذا الحد، بل تزداد تعقُداً عندما تقارنين نفسك بامرأةٍ تعيش أمومتها إلى منتهاها، وتنفق عمرها في تربية أولادها والتمتع بتطورهم الحركي والفكري، مؤمنةً أن الأمومة أعظم عملٍ في الكون ولا يضاهي شيءٌ روعته وتفاصيله، وبين أخرى استطاعت بالذكاء والحكمة تنظيم وقتها في تنشئة أولادها وممارستها العمل على أكمله، فرسمت حياتها بشكلٍ تناسقت فيه المسؤولياتُ وما حُرمت من حقٍ إرضاءً لآخر.
 

وبعد قبولك لتحديات الحياة وأعبائها وعزمك الرجوع إلى ساحات العمل، ستتفاجئين بقدراتك الرهيبة على حمل عدة صناديق في يدٍ واحد، وطاقتك العظيمة في التوفيق بين أعباء منزلك وحاجات أبنائك ومسؤولياتك الوظيفية، وستعلمين كم أنك معجزةٌ تصنع المستحيل داخل عشها الصغير وخارجه.
 

وعلى الرغم من إيمانك المطلق أن الأولاد سيكبرون في كنف أمٍ تعطيهم فائضاً من الحب والرعاية والاهتمام، وتجد فيهم زينة الحياة الدنيا وأغلى كنوزها، إلا أن الذنب سيبقى زائراً ثقيل الظل يرافقك تفكيرك، وكأنك أهملتِ جانباً كان بإمكانك الاجتهاد فيه، لتنامي على وقع أحلامٍ مبعثرة وأفكارٍ مرهَقة، فتدركين لحظتها كم أنك أمٌّ سيئةٌ جداً، سعت إلى تحقيق الانسجام في التربية والعمل، وتاهت بينهما..