لماذا يتحدث الناس في السياسة؟

السياسة والدين من الشؤون العامة التي يتحدث بها كل الناس، وهي إلى حد كبير ليست علوماً مجهولة أو صعبة ولا تحتاج إلى دراسة واسعة ومستفيضة، حتى نظل نردد السؤال المشهور لماذا يتحدث الناس في السياسة والدين؟ بل إن السؤال الأصح هو لماذا لا يستطيع الناس التحدث بالسياسة والدين؟

معظم من يمارسون السياسة اليوم هم أشخاص عاديون لا يملكون أي مؤهلات أو معارف مختلفة عن عامة الناس

الدين والسياسة ليسا حكراً على المختصين والعلماء، والجانب العلمي والتخصصي فيهم دقيق ومعروف لدى الجميع، ولا أذكر شخصياً أن دولة ما تشترط منك معرفة سياسة معينة أو خبرات محددة حتى تدخل عالم السياسة، وتصبح وزيراً أو رئيساً بل إن معظم من يمارسون السياسة اليوم هم أشخاص عاديون لا يملكون أي مؤهلات أو معارف مختلفة عن عامة الناس.

فماذا كان يملك ترامب من خبرة سياسية أو حتى معرفة حتى يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية؟ الإجابة البسيطة أنه لا يملك شيئاً، ومع ذلك أصبح رئيساً لأمريكا التي تعد أكبر لاعب سياسي حول العام. والأمر ذاته ينطبق على عامة الشعب.

الذي يمارسون السياسة ويؤثرون فيها عن طريق انتخاب من يعتقدون أنه يمثلهم، ولا أحد يسألهم ماذا تعرفون عن السياسة حتى تنتخبون، أو ما هي المؤهلات السياسية حتى تقررون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأروربي هو قرار سليم، فلماذا نسألهم لماذا تتحدثون في السياسية؟

مطالبة الناس بترك الحديث في الأمور السياسية والدينية تحت ذرائع مختلفة وحجج واهية، هي مصادرة صريحة لحرياتهم الفكرية، وحقهم في التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم في مواضيع لا تعتبر ملكاً لأحد، وبدلاً من العمل على إرهاب العامة فكريا وتخويفهم من الخوض في أمور لا يفقهون بها. فالمشكلة ليست بالحديث في السياسية ولكن المشكلة في معرفتها وفهمها، وعليه يجب أن يكون السؤال المحوري،هو لماذا لا يفهم الناس في السياسة؟

هذه المعضلة أجاب عليها المفكر الأمريكي الشهير رينهولد نايبهور حين قال إن علم السياسة يحتاج إلى المنطق، والمنطق مهارة ضيقة يتمتع بها عدد قليل من الناس، فغالبية الناس منساقون وراء عواطفهم وبالتالي فإن أغلب الأحكام والآراء التي يطلقونها في المواضيع السياسية تستند إلى العاطفة أكثر من استنادها إلى الحقائق المنطقية.

وطبعاً لأن الحكومات تعرف هذه الحقيقة البسيطة، فإنها دائماً ما تقوم بصناعة أوهام وتبسيطات عاطفية لإبقاء العامة على جهلم السياسي، مستخدمة وسائل الإعلام والقلة القليلة من الناس التي تمتع بمنطق نادر، وهي حقيقة أكدها قبل ذلك قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين حين قال إنه لابد من استغلال العواطف لدفع الجماهير باتجاه مستقبل غير قادرين أو مؤهلين لفهمه، أو حتى وضع تصور له.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الجهل السياسي لا تتعلق فقط بالمنطق، رغم أنه جزء مهم من القدرة على بناء أحكام سياسية سليمة ويفتقده الكثير من الناس، ولكنه يرتبط أيضاً بالمعرفة التي يتم على أساسها بناء هذه الأحكام، والمقصود بالمعرفة هنا ليس المعرفة السياسية التي تحتاج دراسة، بل المعرفة في الأحداث السياسية التي تحصل، فبناء وجهة النظر السياسية ينطلق بالأساس من المعلومات والمعرفة التي يمتلكها الشخص حول الموضوع.

ومن هذه النقطة تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية، فمعرفة الناس حول الأمور السياسية يتم رسمها من قبل الحكومات التي تعمل وفق نظرية لينين، وهي إبقاء الشعب في حالة جهل سياسي، من أجل السيطرة على وعيه السياسي، وجعله غير قادر على فهم مجريات الأمور أو التنبؤ بها.
 

معرفة الناس حول الأمور السياسية يتم رسمها من قبل الحكومات التي تعمل وفق نظرية لينين

ونحن هنا لا ندور في فلك نظرية المؤامرة التي يتم فيها تثوير شعوب وخلق حروب في مخيال البعض، بل عن الإعلام الذي يرسم القصة الخبرية للناس، ويجعلهم يبنون أفكارهم السياسية عليها، فأغلب الإعلام إن لم يكن كله تتحكم فيه جهات حكومية، هي من تقرر ما يجب أن يعرفه الناس أو لا يعرفوه.

وبناء عليه يتم دوماً ترسيم المشهد على الطريقة التالية، إن كنت تعرف شيئاً فأنت تعرف ما تريده الحكومات أن تعرفه، وبالطبع فإن الحكومات لن ترغب في أن تعرف ما تعرفه هي، ولذلك فإنك ستبقى تفهم السياسة كما تريد هي، وبالطبع هي تريد أن لا تفهم شيئاً، ولهذا لا يفهم الناس السياسة وتكون في الغالب أحكامهم مغلوطة.

أما إن كانت الحكومات لا تريد لك أن تعرف ما يحصل، فإنك لن تسمع به أساساً وهنا ستبدأ برسم وجهة نظرك بناء على ما تعتقد أو تفكر وليس بناء على ماحصل ويحصل، وتبدأ بتكوين نظريات سياسية لا تستند إلى أي أساس، ولكن حاجتك إلى تفسير المشهد السياسي هي ما يجعلك تبتدع أفكار قد لا تكون قريبة من الواقع، وهنا لا مشكلة أن تفكر كما تشاء أو تقول ما تريد، طالما أنك لن تكون قادراً فعلاً على معرفة ما يحصل فعلاً.

مشهد الجهل السياسي الذي تتجلى صوره بمناقشات العامة في الواقع وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لا يمكن حله بمطالبة الناس بالتوقف عن الحديث بالسياسة، لأن هذا لن يغير من واقع الأمر شيئاً، فحتى لو تحدث الخبراء فقط، فإن هذا الواقع سيظل موجوداً في ظل افتقادنا لثنائية المنطق والمعلومة.



حول هذه القصة

أثارت الجولة الخليجية التي قام بها شيخ الأزهر انتقادات حادة في مصر، خاصة بالنسبة للإمارات التي شهدت علاقاتها توترا مع القاهرة، فهناك من يعتقد بأن الزيارة تحمل طابعا سياسيا، بينما دافع عنها آخرون معتبرين أن الأزهر ليس ملكا لمصر وحدها.

13/5/2013

خلافا لمقتضيات الانتخابات المباشرة والمؤسسات الدستورية، يذهب العديد من الساسة والمراقبين إلى أن الجزائر تديرها أجهزة أمنية تسيطر على مجالات السياسة والاقتصاد وحتى الإعلام والدين.

13/4/2014
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة