في بلادنا "لا" تعني "نعم"

في ألمانيا، صادق البرلمان بالإجماع الصيف الماضي على قانون جديد صارم إزاء جرائم الاغتصاب، ينص على أن قول المرأة "لا" في مواجهة من يريد اغتصابها كاف لإثبات التهمة عليه، فلا حاجة إلى إثبات الرفض بكدمات على الجسم أو آثار عنف تظهر المقاومة، فقد تكون الضحية رافضة لفعل الاغتصاب لكنها تحت تأثير منوم أو مخدر أو تحت التهديد بالسلاح.
 

وبحسب وسائل إعلام ألمانية فإن القانون الجديد سوف يأخذ في الاعتبار كلا من الإشارات الجسدية واللفظية من قبل الضحية عند تقييم ما إذا وقع فعل الاغتصاب أم لا، وهذا يعني، أن تلفظ المرأة بكلمة "لا" يعني عدم وجود موافقة، وبالتالي، فاستمرار الطرف الآخر في الممارسة الجنسية تعني أنه مغتصب. في عالمنا العربي لازال الطريق أمام المرأة طويلا لتثبت أن تلفظها بكلمة لا في يومياتها وفي علاقاتها يعني فعلا لا، لأنها بالنسبة للمجتمع قد لا تعني شيئا وقد تعني في حالات أخرى نعم.
 

أشعلت الفتاة النار في جسدها وماتت حرقا.. وبموتها وجهت رسالة لمجتمعها ولمغتصبيها وأيضا للقضاء الذي لم يأخذ قضيتها بالجدية الكافية.

عندما تتعرض المرأة للاغتصاب في مجتمعنا، فإنها تتحمل الألم النفسي جراء الاقتحام العنيف والمقزز لجسدها، كما أنها تواجه لوم المجتمع فلا أحد ينظر إليها باعتبارها ضحية، بل تكون الجانية، ويتجاوز المجتمع تناول حالة الاغتصاب إلى طرح أسئلة أخرى من قبيل: لماذا كانت تلبس تلك الملابس؟ لماذا خرجت في ذلك الوقت؟ ما سبب تواجدها في ذلك المكان؟ ربما تكون علاقة رضائية واتهمته بالاغتصاب حتى يتزوجها؟

وفي خضم هذه التساؤلات تنقلب القصة من حالة اغتصاب واعتداء جنسي إلى حالة استفزاز لمشاعر الذكور وغرائزهم وإخراجهم عن طوعهم وجرهم مكرهين إلى الوقوع في فخ التحرش أو الاغتصاب، وهنا لا تكفي لاءات المرأة وإعلان رفضها قولا أو فعلا، بل عليها خوض معركة الدفاع عن لاءاتها وعن نواياها والإجابة على كل الأسئلة والاتهامات الموجهة إليها.
 

في بلدي المغرب، يحدث أن تتعرض فتاة في السادسة عشر من عمرها تدعى خديجة السويدي للاختطاف والاغتصاب المقرون بالضرب والتعذيب من طرف ثمانية شبان، قالت لهم خديجة لا لفظا.. قالتها ركلا وصراخا وتوسلا.. لكن لاءاتها تلك لم تكن تعني لمغتصبيها شيئا، كما لم تكن بالنسبة للقاضي الذي نظر في القضية الدليل الكافي.. فبعد اعتقال الشبان، أدين واحد منهم بثمانية أشهر حبسًا نافذًا، بينما تمت تبرئة بقية المتهمين والسبب "انعدام الأدلة"، انتهزوا الفرصة وهددوا الفتاة بنشر فيديو يوثق لاغتصابها إن هي لم تسحب الشكوى ضدهم..
 

وكان وعيهم وإدراكهم المنبثق من ثقافة تعلي من شأن الذكور قد أملى عليهم بأن التهديد بنشر فيديو الاغتصاب سيخيف الفتاة ويضرها أكثر مما سيضرهم.. فالفتاة وإن كانت ضحية إلا أن ذلك لا يعني شيئا في مجتمع منقلب المعايير.. أمام كل هذا أشعلت الفتاة النار في جسدها وماتت حرقا.. وبموتها وجهت رسالة لمجتمعها ولمغتصبيها وأيضا للقضاء الذي لم يأخذ قضيتها بالجدية الكافية.. هل كان ينبغي أن تموت الفتاة ميتة بشعة حتى تأخذ المحكمة لاءاتها بعين الاعتبار؟ هل كان ينبغي أن تحرق جسدها أمام الجميع حتى يقرر القاضي إعادة اعتقال المغتصبين وإصدار العقوبات التي يستحقونها؟
 

في العلاقة الزوجية، هناك صمت رهيب إزاء الاغتصاب الزوجي، وهو موضوع مسكوت عنه ولا يتم تداوله حتى بالهمس. في العلاقة الحميمية لا يجد الزوج في قول زوجته لا خلال العلاقة الحميمية معنى، بل يسمعها كلغو الكلام ولا قد تعني بالنسبة له نعم. حتى أن ثقافتنا تقول إن "لا" في العلاقة الحميمة لا وجود لها أصلا لأن للزوج بحكم عقد الزواج الشرعي الحق في المناكحة أنى شاء وكيفما شاء.
 

وفي أمور ومواقف أقل مما سبق ذكره، لا يأخذ المجتمع لاءات المرأة بعين الاعتبار، فنحن لا زلنا نتناقل جيلا بعد جيل أن صمت الفتاة يعني نعم والموافقة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعني لا، ولا يمكن أن يعني الصدمة أو اللامبالاة أو فقد الأمل أو الإكراه أو الخذلان.
 

المجتمع والأعراف وحتى القوانين الحديثة لم تستطع أن تحمي المرأة التي تقول لا، إنهم يتركونها وحيدة تلعق الحسرة في صمت، يقولون لها إنك جوهرة ولكنهم يقيدونها بأغلال وقيود محكمة

فأمام كاتب العدل تقف الفتاة الصغيرة لأخذ رأيها في الزواج بعد أن خضعت لضغوط الأسرة وتهديدات الأب وتخويف الأم من رفض العريس، كثير من هؤلاء يرون أن حضور الفتاة رفقة أسرتها لإبرام عقد الزواج كافيا ولا داعي لطرح السؤال المباشر والتقليدي والمفروض في هذه الحالة: هل توافقين على الزواج بهذا الرجل؟ وإن كانت فعلا مكرهة فإنها لا تستطيع سوى أن تقول نعم وتحتفظ بـ "لا" لنفسها حتى لا تجد نفسها مرفوضة ملفوظة من أسرتها وعائلتها مادام المجتمع لا يقدم لها الحماية في حال كان جوابها لا.
 

تمشي الفتيات في الشارع، طالبات أو عاملات أو ربات بيوت، عازبات أو متزوجات، مراهقات أو بالغات، محجبات أو غير محجبات.. لا يهم ففي كل الحالات هي امرأة ومادامت كذلك فهي في نظر بعض ضعاف العقول مستباحة للتحرش بها ومضايقتها، وأن ترفض الفتيات والنساء في الشارع التجاوب مع المتحرشين أمر غير مستساغ ورفضهن لا معنى له ولا قيمة، فهن في الغالب يتمنعن وهن الراغبات، أما إن هاجمهن المتحرش وواجهنه بالرفض قولا فقد يتحول التحرش إلى اعتداء وسب وقذف في حق كل بنات حواء.
 

مشكلتنا أن المجتمع والأعراف وحتى القوانين الحديثة لم تستطع أن تحمي المرأة التي تقول لا، إنهم يتركونها وحيدة تلعق الحسرة في صمت، يقولون لها إنك جوهرة وتاج على الرؤوس لكنهم يقيدونها بأغلال وقيود محكمة، يعاملونها كتلك الأغنية التي تقول "يا حبيبتي ايميلدا، أنا لا أفرض شيئا على أحد، أنا أضع مسدسي على الطاولة، وأقترح".



حول هذه القصة

أثار قرار استفادة إسباني مدان بتهمة اغتصاب أطفال مغاربة من العفو الذي منحه ملك المغرب محمد السادس، جدلا داخل الأوساط الحقوقية والمجتمع المدني. وكان كالفان قد حكم عليه قضائيا بثلاثين سنة سجنا، بعد إدانته باغتصاب 11 طفلا أعمارهم بين 5 و15 عاما.

2/8/2013

رفضت المحكمة الوطنية بمدريد تسليم الإسباني دانييل غالفان إلى المغرب، بعدما تمتع بعفو ملكي مغربي بطريق الخطأ قبل شهور، حيث كان مسجونا بتهمة اغتصاب أطفال. ورأى خبير قانوني أن هذا الارتباك مفيد لكي يقتنع مسؤولو البلدين بضرورة إحداث توافق بين قوانينهما.

20/11/2013

قرر القضاء الفرنسي إبقاء نجم الأغنية المغربية والعربية سعد المجرد قيد الاعتقال، تمهيدا لمحاكمته على خلفية تهمة اغتصاب فتاة تحمل الجنسية الفرنسية واحتجازها الثلاثاء الماضي بغرفة بأحد فنادق العاصمة باريس.

29/10/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة