سِيدنا الولي

(1)

طق … طقطق … طق … طق

يشق قرعُ قبقاب الحاج خليل على درجات سلم البناية المتهالكة؛ سكون الفجر، اليوم، ويوميًّا، قبل الأذان بثلث ساعة. فهو الذي يؤذن للصلاة في الجامع. لدرجة أن اعتاد بعض المواظبين على صلاة الفجر في البناية المتأرجحة أن يستيقظوا على صوت ذلك المنبّه الحيّ.

= هل نزل سيدنا الولي للصلاة يا سُعاد؟

هكذا يصيح الأستاذ فخري – جار الحاج خليل – بفزع، بعد أن بترت قرعات قبقاب الحاج خليل نومه العميق.

لتجيبه زوجته:

– نعم يا فالح! وأنت نائم كالأموات كأنك تفعل ما لا يفعله غيرك!

 

(2)

= مشِّينا يا ابني!

يصل صوت الحاج خليل الواهن إلى مسامع الشاب الصعيدي السميك ملفوح اللون، الذي يتجاهله كغيره من المصطفين. إنه حديث عهد بالمخبز البلدي. لكن المعلم خميس صاحب الفرن، الذي التقط التمتمة على ما يبدو؛ انتفض كالملدوغ، ليصكّ أذن الشاب:

= معذرة إنه (مُستَجَدّ)، أعط سيدنا الولي يا ابن الك..

ليقاطعه الحاج خليل مُصرًّا:

= لا تشتمه، الله يسترك! ومشّ الناس وأنا معهم!

 

(3)

المقهى هو الملتقى السياسي والثقافي والرياضي، للحي، حتى الأنشطة الاقتصادية المختلفة كتجارات ومهمات خدمية، تجرى في مقهى حمامة

يعمل الحاج خليل في مصنع متواضع للأحذية يملكه الأسطى يونس. ليست وظيفته أكثر من تفليت الرباط في الثقوب. يتقاضى مقابل ذلك مبلغًا زهيدًا يكفيه قوته بالكاد. نفقات الحاج خليل محدودة جدًّا، هي ما يسد رمقه من خبز وجبنة قديمة وفول تقريبًا. إنه يرتدي قميصًا – قفطان – واحدًا بالتبادل مع الزي الاحتياطي، والذي يظهر وكأنه بدلة صيفية قديمة، أو سترة نوم ربما، لا أحد يدري بالضبط. ويذهب إلى المصنع القريب من المنزل على قدميه المتهالكتين بفعل السنّ الطاعن. يحظى الحاج خليل باحترام يشبه التقديس في المصنع، الجميع يلتمس منه الدعاء والبركة، رغم أنه لا يصلي بهم الظهر والعصر، فهو يتشدد في رفض ذلك جدًّا. لقد اشتجر مرة مع زملائه بسبب هذه القضية بألفاظ اعُتبرت غير لائقة.

 

 (4)

= بر الوالدين مقدم على كل شيء، حتى الصلاة والزكاة، أليس كذلك يا سيدنا الولي؟

هذا هو الشيخ جمال، الإمام الأزهري للجامع، يلقي درس الأحد بعد المغرب، مستشهدًا، بفخر؛ بالحاج خليل، الذي يومئ له برأسه، في خمسة هو سادسهم، هم كل الحضور في الدرس. يحرص الحاج خليل منذ سنين متطاولة على حضور ذلك الدرس – حتى لكأنه سارية من سواري المسجد – منذ كان يلقيه الشيخ عبد الستار رحمه الله، الذي استلم بعده الشيخ محمد عجمي، شاويش المنطقة السابق لفترة انتقالية، قبل أن تؤول مقاليد المسجد للشيخ جمال، الخمسيني، الذي يستعين بالحاج خليل في مختلف شؤون المسجد، وبخاصة في أذان الفجر.

 

(5)

يجلس الحاج خليل على المقهى – مقهى حمامة – يومًا واحدًا في الأسبوع، الخميس ليلة الجمعة. لساعة واحدة بعد العشاء، يلعب دورًا من الدومينو، ويتحفه نديمه الحاج جابر بكوب من الشاي.

 

إنه ليس مجرد مقهى، إنه نادي الحي، حيث يجتمع الجميع، الحاج خميس صاحب الفرن، والأسطى يونس صاحب مصنع الأحذية، وحتى الأستاذ فخري جار الحاج خليل، رغم ما للخميس ليلة الجمعة من أهمية بالنسبة له. الجميع بلا استثناء يحضر.

باختصار: ذلك المقهى هو الملتقى السياسي والثقافي والرياضي، للحي، حتى الأنشطة الاقتصادية المختلفة كتجارات ومهمات خدمية، تجرى في مقهى حمامة.

 

(6)

= تتفرج على الساعات؟ معي ساعات أنيقة جدًّا؟ تأخذ يا سيدنا الولي؟

لا يرد الحاج خليل على البائع المتجول الذي يسرح بما لذّ ولم يطب من السلع الرخيصة. بدا الحاج خليل منهمكًا في دور الدومينو الذي يواجه فيه مأزقًا مروعًا على الأرجح. قبل أن تنفرج أساريره وينقلب الدور لصالحه، إلى الحد الذي لا يخفي معه الحاج جابر تبرُّمه بالهزيمة:

= لا أدري أحظ وليّ هذا، أم حظ عالمة!

 

(7)

وفي محاولة للنسيان، يستدير بعدها الحاج جابر، قائلًا وهو يرمق البائع الجائل من ظهره خارجًا من المقهى:

= أليس هذا مجدي ابن ضيف الله؟ هل ترك التأمين الصحي ويسرح على المقاهي؟!

فيجيبه نوشا صبي المقهى:

= نعم هو يا حاج جابر. الظروف ضاقت عليه واضطر لترك التأمين الصحي. الله يخرب بيت الحكومة!

– وما ذنب الحكومة لتقحموها في كل مصيبة؟ الحكومة ستؤكلكم وتشربكم؟

كان هذا كلام الشيخ محمد عجمي، الذي نفثه مع دخان شيشته، من ركن بعيد في المقهى.

نوشا: = وأنت ما رأيك يا سيدنا الولي؟

الحاج خليل: – والله أنا لا أفهم في السياسة يا بني، لكن الذي يجوّع الناس وهو شبعان يبقى حرامي!

كان وقع كلمة الحاج خليل ثقيلًا. ليتدخل الأسطى يونس في الحوار محاولًا تلطيف الأجواء:

= على كل حال، اليد البطالة نجسة يا سيدنا الولي.

– اليد البطالة التعبانة طاهرة، ولكن يد الحرامي هي النجسة!

هكذا أجاب الحاج خليل، ليخيم الصمت على المقهى.

 

 (8)

= افتح يا سيدنا الولي!

صوت الأستاذ فخري العصبي، مقترنًا مع قرعه المتواصل على باب حجرة الحاج خليل فوق سطح البناية المتمايلة.

يفتح الحاج خليل الباب متكاسلًا، ليلج الأستاذ فخري إلى الداخل، متكلمًا أثناء المشي وحتى الجلوس، فيصبّ كلامًا كثيرًا يدور حول الشكوى من زوجته سعاد، التي تعيره بتقصيره المستمر في واجباته الزوجية، بما يعتبره الأستاذ فخري قلة حياء، وعدم تقدير للأعباء الهائلة التي يقوم بها.

 

اعتاد الحاج خليل أن يصلح بين الجيران والأصحاب. إنه يقوم بذلك الدور بتقنية مدهشة، وبصورة شبه آلية، لعله اكتسبها من خبرته العريضة في ذلك المجال. إنه يترك الشاكي يفرغ تمامًا من شكواه، ثم يتجاذب معه أطراف الحديث في شيء آخر تمامًا! وفي الغالب ينسى المتكلم الأول الموضوع الذي أتى بشأنه، ويتغير مزاجه، ويفلح في مواجهة مشكلته. نادرًا ما أخفقت تلك الطريقة.

 

(9)

= هل تدري لم يسمونني سيدنا الولي؟

فاجأ الحاج خليل الأستاذ فخري بذلك السؤال. العجيب أنه لم يخطر بباله قط أن يسأله ذلك السؤال من قبل، رغم أنه يناديه بذلك اللقب منذ عشر سنوات تقريبًا، منذ سكناه تلك البناية المتداعية.

 

ولم تكن هذه الحالة من التوارث للقب سيدنا الولي خاصة بالأستاذ فخري، فالجميع ينادي الحاج خليل بسيدنا الولي جيلا بعد جيل. الحاج خليل قديم جدًّا في هذا الحي. حتى لكأنما يخيل إلى بعضهم أنه أتي قبل الجميع، ولم يأت أحد قبله، كأنه مَن بنى ذلك الحي. الجميع يحكي عن سيدنا الولي كشيء سابق على وجوده في ذلك الحي دون أن يعرف المناسبة التي جعلت منه سيدنا الولي. حتى الحاج زكريا رحمه الله صاحب البناية المتراقصة الذي يشاع أنه عطف على سيدنا الولي ومنحه تلك الغرفة البائسة؛ مات منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولا أحد يعلم عن علاقتهما شيئا، وليس لأبناء المرحوم علاقة تعاقدية بسيدنا الولي، الذي يسكن دون عقد، ودون إيجار.

 

لم يكن يدري سوى أنني ولي صالح وملاك حارس. ومن ساعتها أكرمني بتلك الغرفة، وأجرى لي راتبًا، وأسماني سيدنا الولي

(10)

نفض فخري عن نفسه تلك الخطرات، ليسأل الحاج خليل بلهفة غير مفتعلة:

– لماذا أسموك سيدنا الولي يا سيدنا الولي؟!

= يا بنيَّ! لستُ وليًّا كما يزعمون. أكثرهم لا يعلمون لم ينادونني هكذا. وكثير منهم يسخر بي بذلك الاسم، وأنا أعلم.

 

 لقد حصلت حادثة هي سبب ذلك الاسم. لم أكن تقيًّا قط، اقترفت كل الرذائل التي يمكن أن تخطر ببالك، وجئت إلى هذا الحيّ فقيرًا ضائعًا، أبيت في المساجد، حتى وجدت عملًا حقيرًا كحارس لتلك البناية عند الحاج زكريا، مقابل المبيت في بير السلم! وحين أراد البلطجي الذي استأجره غريمه أن يقتل الحاج زكريا في فراشه؛ كنت قد سبقته إلى هناك، ولكن لغرض آخر. السرقة.

 

كم كان وضيعًا ذلك الرجل، الحاج زكريا رحمه الله، لقد استعبدني وعاملني أسوأ مما لو كنت كلبًا أجرب. حينها كنت موقنًا أن سرقته حلال.

 

أنقذته من القتل، وقام من نومه فزعًا، يسبح ويهلل، ويقبل يديّ ورجليّ، لقد صادف أنه رآني ساعتها في المنام أنقذه، ليستيقظ ويجد الحلم حقيقةً، أو الحقيقة حلمًا، لم يكن يدري بالضبط، لم يكن يدري سوى أنني ولي صالح وملاك حارس. ومن ساعتها أكرمني بتلك الغرفة، وأجرى لي راتبًا، وأسماني سيدنا الولي. ولم يمت قبل أن يعينني في مصنع الأسطى يونس، الذي كان يفتح في الحي لأول مرة.

 

لم أكن تقيًّا، لكن قررت أن أصبح كذلك من ساعتها، قدر ما أستطيع على الأقل، فلم أترك صلاة قط، ولم أترك درس المغرب، ولا أذان الفجر، ولا الصلح بين الجيران، ولم أداهن حراميًّا. لم أمد عيني ولا يدي مرة أخرى. عشت على الكفاف.

 

أنا رجل استحييت أن أبخس مظهر الولاية التي يعطيها الله للناس ليتمكنوا من العيش باطمئنان!

لقد عرفتُ واحدًا لم يقتنص الولاية، لكنها أعطيت له. قل لي بربك: كم واحدًا يحصل له مثل ذلك الموقف؟ ولماذا هو وليّ؟ وهل هو وليّ حقًّا أم ليس كذلك؟ هل تفهم ما أقول؟ لا أظنك والله!

 

(11)

قبيل الفجر، في الرابعة والنصف، مع البرد القارص، يستيقظ الحاج خليل وحده، ليتوضأ على عجل، ليدرك التأذين الأول لصلاة الفجر.

 

 وبينما يهرول نازلًا بقبقابه الصقيل على درجات سلم البناية المتهافتة، يتسلل إلى سمع الحاج خليل صوت جارته سعاد، وهي توقظ فخري، قائلة له كعادتها:

– اصح يا سبع! اصح للصلاة، حتبقى لا دنيا ولا آخرة! سيدنا الولي نزل.

ليبتسم سيدنا الولي ابتسامة منطفئة، ويواصل النزول، بقرعه المعتاد.

طق … طقطق … طق … طق.



حول هذه القصة

تواصل لجنة الانتخابات المنبثقة عن المؤتمر العام السابع لحركة فتح فرز الأصوات بانتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري للحركة بمقر الرئاسة الفلسطينية برام الله، حيث ستعلن النتائج مساء اليوم الأحد.

4/12/2016

يزور فريق يقوده الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان ولاية أراكان شمالي غربي ميانمار لبحث أزمة الروهينغا في ظل حملة للجيش أوقعت مئات القتلى ودفعت كثيرين للفرار نحو بنغلاديش.

4/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة