شعار قسم مدونات

العلماء الساكتون

كثر في العلماء في هذه الأزمنة السكوت عن أداء واجب التعليم والتوجيه والتدخل لدى الفرقاء والمتنازعين لإصلاح ذات البين، ويدعي بعضهم أن السكوت في الفتن هو المنهج الصحيح، وهو الذي كان عليه من يريد السلامة لدينه.
 

وهذه مسوغات يردها نصوص الكتاب والسنة الموجبة على من أعطاه الله علما أن يبين للناس الحق من الباطل والصدق من الكذب، والخير من الشر. وهذا هو العمل الذي عليه الأنبياء والمرسلون من مخالطة الناس، وتعليم الجاهل ووعظ الغافل ورد الظالم عن ظلمه ومحاورة المعاندين للحق حتى يعرف الناس حالهم أو يرجعوا عن باطلهم.

السكوت عن بيان الحق والسعي في إزالة الحيف والظلم عن الناس فهو من المنهج المذموم شرعا وعقلا، فقال تعالى عن علماء اليهود "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"

وأول خلاف وقع بين الصحابة -رضوان الله عليهم- وكاد أن يربك المشهد العام للأمة هو من يكون خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم يقل خيار الصحابة هذا من الفتن ونعتزله، ونترك أمر العامة، بل كان أول الساعين لرفع هذا الخلاف قبل أن يتطور إلى اختلاف هو أعلم الصحابة وأفهمهم للهدي النبوي كأبي بكر وعمر وأمثالهم من كبار علماء الصحب الكرام، فنتج عن ذلك حوارات وتداولات ومفاوضات توصلوا من خلالها بكل بساطة إلى حسم أمر من أخطر الأمور وما زال هو الأكثر خطورة في الأمة، ألا وهو شأن تولي الزعامات والرئاسات.
 

وعندما سكت العلماء وتزايد سكوتهم، أصبح العامة أكثر جرأة على التدخل في هذه الأمور المصيرية، وانتشرت الشرور والفتن والتقاتل، وأصبح العلماء هم أول ضحايا ذلك لسكوتهم عن كلمة الحق وتوضيح الأمور والأخذ بزمام المبادرات لحل الأزمات المستطيرة في الأمة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- "لا تخف في الله لومة لائم".
 

وقال لأبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- "ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده.." وكان هذان الصحابيان من أجرأ علماء الصحابة على التصريح بالتصحيح للخطأ، والوقوف في وجه الظلم والجور، فحمد العلماء ذلك لهما، وانتفع الناس بمنهجهما في ذلك.

أما السكوت عن بيان الحق والسعي في إزالة الحيف والظلم عن الناس فهو من المنهج المذموم شرعا وعقلا، قال تعالى عن علماء اليهود عائبا عليهم "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون" وهذا السكوت عن إنكار المنكر وإزالته، وتعليم الناس والسعي في إصلاح أوضاعهم، والإصلاح لذات بينهم، هو من المنكر كما جاء في حديثه -صلى الله عليه وسلم- عن الأشعريين الذين كانوا من فقهاء المدينة وجيرانهم من الأعراب المحتاجين للتعليم والتوعية الدينية.

فقال صلى الله عليه وسلم "ما بالُ أقوامٍ لا يُفَقِّهون جِيرانَهم، ولا يُعلَّمونَهم، ولا يَعظونَهم، ولا يأمرونَهم، ولا يَنهَونهم؟! وما بال أَقوام لا يتعلَّمونَ من جِيرانهم، ولا يَتَفَقَّهون! ولا يَتَّعظون؟! واللهِ لَيُعلَّمُن قومٌ جِيرانَهم، ويفقَّهونهم، وَيعِظونَهم، ويأمرونَهم، ويَنْهوْنَهم، ولَيَتَعَلَّمَنَّ قومٌ من جيرانِهم، وَيتَفقَّهون، ويَتَّعِظون، أو لأعاجلَنَّهم العقوبة".