الحكومات صامتة.. أين صرخات الشعوب؟

لطالما تعلمنا ونحن على مقاعد الدراسة بمختلف مراحلها أن العرب شعب واحد، وأن ما نراه من حدود حالية ما هي إلا نتاج الاستعمار الذي فتت براثنه وحدة الوطن الواحد. وأن هذه الحدود هي حدود مؤقتة لا بد لها مهما طال الأمد أن تزول. قرأنا في كتبنا الأدبية -التي أشرف على إعدادها نخبة من القوميين- أشعاراً وأناشيداً عديدة، وكان أبرزها ما كتبه الأستاذ فخري البارودي:

بلادُ العُربِ أوطاني منَ الشّـامِ لبغدان
ومن نجدٍ إلى يَمَـنٍ إلى مِصـرَ فتطوانِ
فلا حدٌّ يباعدُنا ولا دينٌ يفرّقنا لسان الضَّادِ يجمعُنا بغسَّانٍ وعدنانِ
لنا مدنيّةُ سَـلفَـتْ سنُحييها وإنْ دُثرَتْ ولو في وجهنا وقفتْ دهاةُ الإنسِ والجانِ
فهبوا يا بني قومي إلى العـلياءِ بالعلمِ وغنوا يا بني أمّي بلادُ العُربِ أوطاني
 

أصبحت القنابل وبراميل الموت، والموت في أقبية المخابرات السورية تعذيباً لكل من تسول له نفسه بكتابة منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، فماذا سيحل بمن يشارك في المظاهرات؟

إضافة إلى العديد من القصص والروايات والأشعار التي تتغنى بالقومية وتدعو إلى الوحدة العربية التي ما سمعناها إلا بتلك الأناشيد وما رأيناها إلا على كتب المدارس. كبر الطفل فينا وأصبح في ريعانِ شبابهِ ولم تعد تعنيه خسارة لعبته التي أخذها منها صديقه، ولم تعد تخيفه تلك التي تخطف الأطفال إن لم يناموا باكراً، كبر وبدأ يفكر في وطنه الواحد، وقضيته الواحدة " القضية الفلسطينية " ويسأل نفسه وليس هناكَ مجيب أين تلك التي قرأنا عنها في كتبنا أين هي وحدتنا العربية؟ لماذا لا نمزق الحدود؟ لماذا لا نحرر فلسطين؟ لماذا تحكمنا تلك الوجوه منذ الأزل؟
 

بعد أن أضرم البوعزيزي بنفسه شرارة الثورات العربية التي أدت إلى تغيير الحكم في تونس نهاية عام 2010 وما لبثت أن امتدت إلى مصر وليبيا واليمن وأحدث ما أحدثته من تغيير ومن ثم انقلابات على تلك الثورات، بدعم ممن لم يعجبهم أن يعيش سكان هذه الدول بشيء من الحرية قد تؤدي إلى إزالة الحدود بين مساحات الوطن الواحد لاحقاً. وصل الربيع العربي إلى سوريا بداية الربيع الموسمي في الخامس عشر من آذار 2011 وصلَ خريفاً أحمراً بلون الدم، يحمل معه أوراقاً صفراءَ متساقطة من أشجار الحرية لتنذر هذا الشعب الطيب أن الثمن سيكون باهظاً لجني ثمار شجرة الحرية بيد أن جميع القوى في هذا العالم ستحول بين هذه الشعب وجنيه من هذه الشجرة المباركة.

 

قوبلت ثورة الكرامة التي أشعلها الشعب السوري ضد حكم الأسد في سوريا بالرصاص الحي، مما زاد اتساع رقعة المظاهرات المناهضة لحكم الأسد ونظامه القمعي، لم يجد القائمون على أجهزة المخابرات والأجهزة العسكرية في سوريا إلا الحل الدموي لإخماد انتفاضة الكرامة وإعادة الشعب إلى بيت الطاعة كما يقولون. لكن حصل العكس فخلال أيام قليلة ازدادت وتيرة المظاهرات وأصبحت بدل أن تخرج كل يوم جمعة أصبحت بشكل يومي وازدادت معها وتيرة القمع بعد أن كانت الوسيلة الوحيدة "الرصاص" أصبحت القنابل والدبابات والطائرات وبراميل الموت، والموت في أقبية المخابرات تعذيباً لكل من تسول له نفسه بكتابة منشور على مواقع التواصل الاجتماعي فماذا سيحل بمن يشارك في هذه المظاهرات؟
 

بعد أن ثارت الثورة أظهرت لكل ذي عقل أن تلك التنظيمات هي وليدة أيدي خفية وجدت فقط لتبرير تدخل التحالفات الدولية عسكرياً في سوريا لإبطاء تقدم الثورة 

لم تنجح الوسائل التي اتبعها النظام السوري بقمع ثورة الكرامة، وخرجت الكثير من المدن والقرى والمحافظات من تحت سيطرته، لكنه ما لبث حتى استعان بحلفائه الإيرانيين وصنيعته حزب الله وورقته الرابحة التي قام بتسويقها دولياً وهي "أن لهذه الثورة ايدولوجيا إسلامية طائفية" وهذا ما ساهم بتأكيده تنظيم الدولة وبعض الفصائل المتشددة على الأرض التي وُجدت فقط لضرب الصورة الطاهرة لثورة الكرامة من خلال الممارسات الإرهابية واللاأخلاقية واللادينية التي لا تمت للثورة ولا لمحتضنيها بصلة. وأدى ذلك الى انخفاض عدد الدول المتعاطفة مع الثورة وخسرت جمهوراً غفيراً من أشقائنا في الدول العربية بسبب الدور البارع الذي قام به تنظيم الدولة من ممارسات وحشية منسوبة زوراً وبهتاناً الى هذه الثورة.
 

وبعد أن ثارت الثورة على هذه التنظيمات وأظهرت لكل ذي عقل أن تلك التنظيمات هي وليدة أيدي خفية وجدت فقط لتبرير تدخل التحالفات الدولية عسكرياً في سوريا لإبطاء تقدم الثورة وإبطاء انهيار نظام القمع الحاكم في هذا البلد الجريح، وفي مقدمة هذه الدول روسيا التي تدخلت بثقلها العسكري بداية شهر سبتمبر 2015 تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وبدأت بقصف المدنيين وكافة الفصائل العسكرية الثورية الفاعلة على الأرض داعمةً الميلشيات الطائفية حليفة النظام على الأرض لمواجهة تقدم الثوار.
 

صفوة القول، بعد كافة المجازر التي نُفذت على الشعب السوري وأدت إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى وخلفت حتى الآن أكثر من 7 ملايين نازح داخلياً و4 ملايين لاجئ لدول الجوار وأوروبا، ناهيك عن المدن المحاصرة وآخرها مدينة حلب والقتل اليومي لأكثر من 270 شخص محاصر فيها إذا كانت الحكومات صامتة أين صرخات الشعوب؟



حول هذه القصة

إنجاح أي فرصة حقيقية لإنهاء الجرائم ضد الإنسانية في سوريا يحتاج لتدابير ملموسة مثل العقوبات التي تستهدف المسؤولين الذين أمروا بهذه الهجمات غير القانونية وتقديم المسؤولين عنها للعدالة.

3/12/2016

قال تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي} هل أنعشت الثورات العربية قيمة العدالة؟ وكيف السبيل إلى العدل في الحكم والقضاء والقصاص؟ وكيف أدى ظلم الأنظمة إلى خراب الأوطان؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة