الإنجاب تحت الشمس

نطاف تفلت من حكم المؤبد 

 يقول الله عز وجل في كتابه العزيز {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} {الكهف:46}، هم البنون زينة الحياة ومصدر السعادة ولا يدرك هذه النعمة الربانية إلا من حرم منها لأسباب متعددة، ولا أصعب من فقدان هذا الخير سواء كان لعلة جسدية عقم مثلا أو لقلة المال الذي يحرم صاحبه من إكمال نصف دينه بالزواج كما يقال.

 

لم تكن جدران السجون عائقا أمام طموح الأسرى بالإنجاب وأحلامهم الإنسانية، وهي مرحلة جديدة من صراع أسرى فلسطين مع السجان الصهيوني.

لكن بعيدا عن هذه الأسباب الجسدية أو المادية، هناك مسببات أخرى في بقعة من هذه الأرض تمنع الرجل من الإنجاب وأن يكحل ناظريه بأبنائه من صلبه، هذا الرجل الذي لا مشكلة جسدية لديه ولا حتى مادية ربما، لتحول حواجز أخرى دون أن يتنعم بأبنائه. هنا المأساة أكبر وأعظم ابتلاء، أن تكون قادرا على الانجاب وفي ذات الوقت هناك من يقيد حلمك بأن يكون لك طفل يحمل اسمك بعد وفاتك أو حتى خلال حياتك.

 

 نعم أعزائي القراء ربما استهواكم عنوان المدونة (الإنجاب تحت الشمس)، وبكل تأكيد فإن الله أنعم علينا جميعا بقرة أعين، ومن لم ينعم عليه بعد فليحمد الله أنه لا قيود تكبله لمواصلة السعي لتحقيق ذلك على هذه الأرض وفي مكان ما من العالم، وفي حجرة مظلمة تضم بين جنباتها حلما لرجل ببكاء طفل وصراخ طفلة، جرح نازف يشتاق إلى قبلة على وجه طفله الذي لا يزال حلما أسيرا في رحم تفكيره وأمنياته، الذي يقيده جلاد غاصب ووحش بشري وما هو ببشري.

 

هناك في الزنزانة يرقد رجل حالت القيود والأغلال بينه وبين زوجه لسنوات طويلة ولا تزال تحرمهما من نعمة الانجاب والتلذذ بهذه الهدية الربانية التي يعيشها سائر الأزواج في عالمنا المهترئ الماكر. في كثير من دول العالم، يمنح المعتقل إجازة يقضيها مع أسرته، وهي فرصة لمن أراد الإنجاب وفي الإجازة القادمة يكون الطفل على صدر أمه، وينعم الوالد بنظرة على وليده الأول أو الثاني.

 

قبل أيام زارني في المكتب شاب تركي، صحيح أنني لم أفهم حديثه كوني لا أجيد التركية، لكنه سجين يقضي إجازته مع العائلة، كان وجهه "موردا" والابتسامة لا تفارق محياه، دهشت لذلك فعلا مفارقة عجيبة عما نعيشه في عالمنا العربي على الأقل لكن في فلسطين الجريحة ومع معتقليها في سجون الاحتلال الصهيوني، قصة من نوع أخر وإجرام لا حدود له، بأي حق يمنع الأسير الفلسطيني من الإنجاب على مرآي العالم، خاصة هؤلاء المحكومون بمئات السنين سجنا يغيبون خلف الشمس.

 

 لكن لم تكن جدران السجون عائقا أمام طموح الأسرى بالإنجاب وأحلامهم الإنسانية، وهي مرحلة جديدة من صراع أسرى فلسطين مع السجان الصهيوني، مرحلة ربما يخجل بعض الأسرى من الخوض في تفاصيلها علانية لأسباب فقهية وشرعية وعلمية. بدأ الأسرى يعدون العدة للوصول إلى حلمهم في الذرية، تجارب ومعارك عديدة خاضها الأسرى الفلسطينيون لانتزاع حقوقهم من قبضة السجان، قاوموا العزل الانفرادي والاعتقال الإداري وغيرها من أشكال الانتهاكات واليوم أعلن الأسرى معركة الإنجاب.

 

 في عام 2003 الأسير سامر بني عودة في مقال له، تناول قضية الإنجاب لدى الأسرى خاصة بعد ظهور تجارب طبية ناجحة حول ما يسمى أطفال الأنابيب من خلال تلقيح البويضة لدى المرأة بنطاف زوجها، الأسير بني عودة اتجه في كلامه إلى أن المجتمع الفلسطيني إلى اللحظة لم يتقبل هذه التجربة الطبية حديثة العهد وأنه لابد من التسويق لها بين أبناء فلسطين كون الأسير الفلسطيني من حقه أن ينجب أطفالا.

 

خلال العام 2014 ارتفع عدد أبناء الأسرى الذين ولدوا عن طريق النطاف المهربة إلى (30) طفلا، بعد أن خاض (23) أسيرا هذه التجربة بنجاح

ويشير بني عودة إلى أن الأسرى هم أيضا في تلك الفترة كانوا يخجلون من الحديث في هذه المسألة التي لا تخالف الشرع الإسلامي، ويرى أن لها انعكاسات سلبية على تربية الأطفال الجدد كون الوالد في الأسر وربما محكوم بالسجن المؤبد، مما يجعل تربية الأطفال ثقلا على كاهل الأم وهذا تترتب عليه أزمات اجتماعية واقتصادية لعائلة الأسير.

 

 ولعبت الإجراءات الأمنية المشددة على الأسرى، في تلك الحقبة الزمنية دورا في ابتعاد الأسرى عن المجازفة بتهريب النطاف المنوية إلى خارج السجن لإجراء عملية أطفال الأنابيب، وكذلك المطالب الشرعية التي وضعها العلماء والاحتياجات الطبية وفترة بقاء النطاف على قيد الحياة حالت دون ذلك أيضا. كذلك من الأمور التي كانت سببا في تراجع الأسرى عن هذه المخاطرة هي الشروط التي وضعتها عائلات الأسرى، بأن لا تكون سلطات الاحتلال هي المسؤولة عن تسلم النطاف المنوية وإنما منظمة إنسانية دولية محايدة.

 

 الأسير بني عودة ومن خلال دراسته للأسباب والنتائج لعملية الانجاب بالأنابيب، دعا أقرانه الأسرى إلى العدول عن هذه الفكرة معزيا النفس بالحرية من سجون الاحتلال. مرت السنون ولم يفقد الأسرى الأمل في الإنجاب من وراء القضبان الحديدية، لتطفوا من جديد وسط بحر الظلمات إلى أذهان الأسرى فكرة أطفال الأنابيب وتهريب النطاف إلى خارج السجن، وفعلا هذا ما حدث. فالأسير كأي انسان في هذا العالم، يحلم بأن يكون له أطفال، والاعتقال يحول بين الأسير وأمنيته، فكثير من الأسرى يعتقلون وليس لديهم أبناء، خاصة أولئك الأسرى المحكومين بالمؤبد. 

 

تجارب ناجحة 

الأسير عمار الزبن من رام الله، أول من بادر لمواجهة السجن والإنجاب من خلف القضبان عام 2013 من خلال تهريب النطاف المنوية عبر زيارات الأهل، لتنقل إلى الزوجة. محاولات عدة فشلت لكن في النهاية نجح الأمر، لتلد زوجة الأسير الزبن ابنه مهند، حيث أثار هذا النجاح حماس الأسرى في كسر قيود المحتل، وتنفيذ هذا التلقيح الصناعي لإنجاب الأطفال رغم أنف المحتل الصهيوني. وعاود الأسير عمار الزبن تهريب النطاف للمرة الثانية، حيث رزق بابنه الثاني صلاح الدين بعد عامين من إنجاب مهند، وحظي الأسير الزبن بزيارة طفليه مهند وصلاح الدين داخل معتقلات الاحتلال.

 

تمثل قضية الإنجاب من خلف القضبان عبر تهريب النطاف أملا وحلما للأسرى يراودهم لسنوات طويلة، حيث تتقدم بهم السنوات داخل السجن ويتلاشى حلمهم بالشعور بطعم الأبوة.

 خلال العام 2014 ارتفع عدد أبناء الأسرى الذين ولدوا عن طريق النطاف المهربة إلى (30) طفلا، بعد أن خاض (23) أسيرا هذه التجربة بنجاح، من بينهم (6) حالات لأسرى انجبوا توائم وهم: الأسير أحمد المغربي من بيت لحم ورزق بتوأم إناث، والأسير صالح أيوب خضورة من غزة ورزق بتوأم ذكور، والأسير عطا محمد عبدالغني من طولكرم وزرق بتوأم ذكور، والأسير محمد أحمد البسيوني من غزة وزرق بتوأم إناث، والأسير أنور عمر عليان من طولكرم ورزق بتوأم ذكور، والأسير زياد علي حسن القواسمي من الخليل ورزق بتوأم ذكور.

 

وتمثل قضية الإنجاب من خلف القضبان عبر تهريب النطاف أملا وحلما للأسرى يراودهم لسنوات طويلة، حيث تتقدم بهم السنوات داخل السجن ويتلاشى حلمهم بالشعور بطعم الأبوة، حيث يشكل هذا الطفل سفيرا لوالده في الحياة وفضاء الحرية. وسعى الاحتلال الصهيوني جاهدا لكشف طريقة تهريب النطاف، واتخذ الكثير من الاجراءات والعقوبات ضد الأسرى للحيلولة من تمكينهم من هذا الأمر، لكنه فشل في كثير من الحالات، ونجح في أخرى.

 

 ربما اليوم لا نستطيع الحديث بخجل عن تجارب الأسرى في الانجاب عبر تهريب النطاف المنوية، بل على العكس غدت هذه التجربة ضربا من ضروب المواجهة مع المحتل، والأرقام المتصاعدة لعمليات الإنجاب بالأنابيب أكبر دليل على ذلك، حيث توزعت الولادات في العام 2014، في محافظة الخليل (17) طفلا بينهم (4) توائم، وقطاع غزة (4) منهم توأمين، والقدس طفلين، وحق للمواليد الجدد أن يفتخروا بأبائهم الذين يمر المجد عبر بوابات قيدهم. 



حول هذه القصة

قال الكاتب في صحيفة “مكور ريشون” الإسرائيلية يوحاي عوفر إن قرية عزون بالضفة الغربية باتت معقلا أساسيا من معاقل العمليات المسلحة الفلسطينية، لأن معظم الهجمات على الإسرائيليين خرجت منها.

3/12/2016

أوقفت وزارة المواصلات الإسرائيلية العمل باللغة العربية في الحافلات بمدينة بئر السبع، رضوخا لاحتجاج الركاب الإسرائيليين الذين لا يريدون سماع غير العبرية؛ ووصفت القيادات الفلسطينية داخل الخط الأخضر القرار بـ”العنصري”.

3/12/2016

كشفت مؤسسات حقوقية فلسطينية أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 527 فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة، بينهم 120 طفلا و11 امرأة.

3/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة