الإعلام والمتلاعبون بالعقول

الغابة الأكثر رعبا وألوانا وجمالا وقبحا وسلطة ودمارا ليس لها لون ولا رائحة ولا ميزة بعينها إلا أسس وقواعد تُركت في رفوف الخزائن، كانت قد استعملت فقط للعبور نحو المجهول والمعلوم في مرحلة الوعي واللاوعي، ففيها من اتضح أمامه المعلوم والوعي باعتماده على قواعد وأسس قوانين الغاب، وفيها من تاه بين المجهول واللاوعي عند نسيان محتوى رفوف الخزانة.

وفيها من تعمد تجاهل ذلك المخزون من الأسس والقواعد والمبادئ والقيم واعتمد آلة القطع والقص والهدم، وبين هذا وذاك أشجار تموت وطيور تهاجر نحو مأمن وأخرى باحثة عن مأوى بين أحضان القليل من معتمدي القواعد والأسس وضباع يحلو لها سياسة القطع والقص ففي ذلك رؤية أوضح وصيد أوفر.

جوارب التلفزيون

هنا تُصقل العقول وتُغسل الأدمغة هنا البيع المشروط وفرض شراءه، هنا العبث بالفكر والتوجيه نحو المجهول، هؤلاء الذين سمتهم وسائل إعلام نخبة مثقفة وفرضت وجودهم على الساحة يستحقون من الناحية المهنية كل إعجاب لدى مستعملي آلة القطع والقص في وقت لا يستحقون فيه إلا كل الاحتقار مهنيا وأخلاقيا.

وسائل إعلامية تتلاعب بالعقول هي الغابة الأكثر رعبا وألوانا وجمالا وقبحا وسلطة ودمارا، ليس لها لون ولا رائحة ولا ميزة بعينها

فهل أصبحت البلدان العربية تقتصر علي السذج والمرضى.. والصحفي المأجور عديم الإنسانية والخُلق ؟ مفردات وحملات ممنهجة تحمل في طياتها عدم الاعتراف بدينَ بعينه ومكانة البلد العلمية والأخلاقية ووزن ثرواتها الطبيعية. مشهد لم يتغير منذ عقود من الزمن أفسد العقول والقيم الإنسانية باسم حرية التعبير والصحافة الجافة العقيمة.

موضوعات وبرامج وتقارير اقتصرت في كبرى عناوينها على الإرهاب شريكهم في المسيرة الملتوية، والسذاجة التي يرونها تمثلهم ويدافعون عنها في محافلهم يتخللها غول مكافحة الإرهاب والتصدي للتكفير بتحريف وجهل فلسفتهم التي يعتمدونها في تفسير القرآن على مقاسهم وشهواتهم كفر وتشكيك في معتقدات دينية تغطى بلحاف شهادات الماجستير المزورة والأكاديميين المرضى بالإسلاموفوبيا والجنس في وسائل إعلام محلية وأخري عالمية.

وقد قُسمت فيها الأدوار والحصص، نصيب منها لمصلحة حزب سياسي دون غيره وأخرى لمنظمة تمول  وترعى سرا وعلانية، وتحت ضغوط وتهديدات وصلت إلى حد التصفيات الجسدية خوفا من الفضيحة والملاحقات القضائية تقبع الحقيقة التي نبحث عنها فما المبتغى إذا ؟

في اعتقادي ليس هناك إلا مبتغى بعينه لا ثاني له وهو إرضاء الأسياد والممولين من الشخصيات والمنظمات المشبوهة الخفية التي تكتب وتقرر وتنفذ، وتفرض سياسة الدول  الإعلام المراد انتهاجها طبقا لمصالحهم ومشاريعهم الناهبة للشعوب والأوطان.

وفي فضيحة وثائق بنما دليل قاطع وحقائق دامغة على ذلك وتابعنا جميعا مدى إصرار أشباه مقدمي البرامج ومحلليه على استصغار الكارثة بحجمها الثقيل في بعض وسائل الإعلام الرسمية وحشرها في زاوية اللامبالاة غصبا دون إرضاء الشعوب والمهتمين، وطبعا مخزون الاستقصاء يظل في رفوف الخزائن ليس نسيانا بل تعمدوا تجاهله في ظل ضعف وعدم قدرة على مواجهة هؤلاء الحمقى بالحقيقة.

فمواضيع المثلية الجنسية وشرب الخمر والشذوذ ومنظمة "فيمن" بممثليها ومجلاتها التي طرحت ضمن برامج تلفزيونية على قنوات معروفة يقودون حواراتها ومنوعاتها عمالقة المدافعين على الأنظمة الفاسدة المتساقطة، فهذه القضايا أهم بكثير حسب زعمهم من مشاكل الإجرام الدولي والبطالة والفساد المالي والسياسي، ومحاسبة بقايا الأنظمة البائدة المستبدة بل هاهم يعودون اليوم للمشهد السياسي والإعلامي من أوسع أبوابه.

فهاهي الآن تتفشى ظاهرة الانتحار وتصدرت البلدان الثائرة مثل تونس المراتب الأولى عربيا في هذه الظاهرة، وكذلك نسبة الطلاق والعنوسة فيما وصلت نسبة العزوف عن الزواج لا أكثر من 50% حسب بعض مكاتب الدراسات، ولم تُطرح هذه المواضيع الخطيرة وأسبابها على شاشاتهم.

ولم تثرها إلا مواقع للتواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإلكترونية في شكل رؤوس أقلام، ومرت مرور الكرام أعشاش دبابير اكتوى بسمومها من هب ودب. إرهاب دولي يصول ويجول بحرية في البلدان الثائرة الجريحة بمكاتبه الاستخباراتية أرياف وقرى لا تتمتع بأبسط حقوق العيش الكريم كالماء الصالح للشرب والمساكن اللائقة مثلا فيما الإعلام يتلاعب بعقول البسطاء وقليلي الحيل وينفذون ما يملى عليهم من أعداء الذات والإنسانية والأوطان

رؤية الضباع والصيد الثمين 

يبقي الصحفي المحترف الشريف رهينة التهميش والتجاهل والتهديدات ومستقطب من وسائل إعلام عالمية محترفة

من حقائق التاريخ أن كل عمل إرهابي يسبقه ويسير بحذوه ويعقبه عمل إعلامي، فيبدأ الإعلام بسبق إنتاج البرامج وإثارة المواضيع الشاذة التي تمس من الحياء وتشكك في المعتقدات وتستفز الملتزمين وأولائك الذين وضعتهم وسائل الإعلام والجهات الأمنية نصب أعينها، وصنفتهم من المتشددين الخارجين عن القانون، وهم مصائب البلدان وأسباب خرابها كما الحال مع الإخوان المسلمين في مصر.

هكذا يقدمونهم في كل مرة وبنفس الأسلوب فكل الاعتمادات جاهزة لديهم إذا المتهم موجود والضباع جاهزة لشن الهجوم طبقا لمواد قدمت وتعليمات أعطيت وأهداف حسمت نتائجها قبل أن تبدأ فسياسة القطع والقص زادت في اكتمال الصورة والرؤية أمام المتربصين بشعوب في مقام الفريسة ليدفعون هم وحدهم الثمن بين إعلام معد ومخرج وإرهاب منفذ بالأحزمة الناسفة والكلاشنكوف، وجهات أخرى خفية ومعلنة متلاعبة بالعقول ومستفيدة من ثمار غابة الإعلام المقيت الذي لا يعرف مسالكه وخفاياه إلا هم أنفسهم.

ويبقي الصحفي المحترف الشريف رهينة التهميش والتجاهل والتهديدات ومستقطب من وسائل إعلام عالمية محترفة ترسم له حدود مهنية حسب خطوطها التحريرية، مستفيدة من خبرته فيما يبقى التوازن والعمل الإعلامي النبيل رهينة نسيان محتوى رفوف الخزائن.

لذا ليس من الغريب أن نراهم يهاجمون كبريات المحطات الإعلامية مثل الجزيرة وغيرها ويريدون النيل منها وضرب مصداقيتها ليضل إعلامهم يعيش على عقمه والخادم الوفي لسفك الدماء ومدبر كبرى مصائب الأوطان، كما هو الحال في سورية والمتحدث الرسمي للاستبداد وخدمة الأسياد والتهجم على القيم العامة والمهنية.



حول هذه القصة

تعيش الكفاءات العراقية أوضاعا صعبة نتيجة تعرضها للتهديد بالقتل والخطف من قبل العصابات المسلحة. وعبرت أوساط علمية عن استيائها من تنامي ظاهرة استهداف الأطباء وأساتذة الجامعات.

28/8/2014
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة