إسطنبوليات (١).. هل تتصالح الصوفية مع العقل؟

كنت في منطقة Sirkeci بإسطنبول أقضي بعض الأعمال وأردت أن أصلي الظهر..  خرجت من المقهى الذي توقفت فيه للعمل وأنا أتأمل المباني القديمة التي تملأ المكان بحثاً عن مسجد.. وفعلا لم أحتاج سوى أن أقطع الشارع لأصل مسجدا قريبا بدا أنيقاً جداً وصغيرا..

 

وكعادة المساجد في إسطنبول، كانت الحديقة الخارجية مليئة بالزوار من كبار السن والأطفال، خطفوا بكلامهم ولعبهم كامل تركيزي للحظات.. وصلت باب المسجد، خلعت حذائي ودخلت بحماس لأنه لم يبقى سوى دقائق للصلاة، وهنا كانت الصدمة التي جعلتني انتفض وأرجع للوراء خطوات..

 

بدا لوهلة أنني على وشك التماسّ مع إحدى (القبور) القديمة، كانت عبارة عن نعش ضخم مغطى بقماش مخملي أخضر، ولا يفصلها عن باب المسجد أكثر من ثلاثة أمتار..

 

انتبه الحارس لردة فعلي التي بدوت فيها بقمة الرعب، وتقدم نحوي يسأل إن كنت بخير، شكرته وأخبرته أنني أبحث عن مكان للصلاة، فأخبرني أن بإمكاني الصلاة في أحد الزوايا بالداخل، وإن رغبت بمكان أوسع فيمكنني التوجه لمسجد قريب قام بوصفه. استدرت وهممت بالمغادرة، لكنه ناداني وهو يقول بفخر "هنا تُربة السلطان عبد الحميد الأول، وأثر أقدام الرسول عليه السلام، قد تحبين زيارة المكان والدعاء".

 

ولأني أحمل عادة سيئة، وهي عدم القدرة على قول لا للغرباء، وجدت نفسي أعود بخطوات متثاقلة وقلقة نحو المكان..

 

وما دامت الصوفية قد ظهرت في عصر انتصار المسلمين واستغراقهم في العلم والمادة، فحاولت حثهم على الزهد واعتزال مباهج الدنيا، فهل يصلح إحياؤها في زمن انفضّ فيه المسلمون عن العلم وأسباب القوة؟

كانت غرفة صغيرة لا تتجاوز الـ 100 متر مربع، مبنية على الطرز العثماني الفريد، سقفها مرتفع وتزينه نقوش قرآنية ملونة، وأرضها مفروشة بالسجاد كأي مسجد، لكنها لم تكن مسجداً بل ضريحا، وهي عبارة عن غرفة تحوي 20 نعشاً لمن يقال بأنهم سلاطين عثمانيون وأبناؤهم، لم تحتضن الأرض جثامينهم، بل دفنوا في صناديق خشبية، لسبب لا أعلمه.

 

في الداخل كانت 7 أو 8 نساء يقفن قرب الأضرحة منهمكات بالدعاء. في إحدى الزوايا وجدت ما يُقال أنه موضع قدمي الرسول عليه الصلاة والسلام، وقفت أتأمل وأحاول قراءة ما كتب باللغة العثمانية، فاقتربت مني أربعينية وسألتني عن التجويف الصغير بجانب أثر القدم "ما هو"؟

 

أشرتُ لها بأني لا أعرف، ثم سألتها هل هذا الأثر حقيقي؟ هل تؤمنين به؟ فقالت لي بحزم "طبعا أؤمن".. وتابعت "نحن في موطن دعاء، لا تفسدي نيّتك بهذه الأسئلة". لم تعجبني نبرتها، فهممت بالمغادرة، لكنها أوقفتني متقمصة دور الناصحة "هذا مكان مبارك، الدعاء هنا لا يُردّ، إن كان لديك مريض أحضريه كي يطلب من الله الشفاء".

 

وددت لو أقول لها ولماذا يزعجنا الله بأن نحضر لهذا المكان الموبوء بالموت كي يقبل دعاءنا؟ ومن يحتاج الدعاء أكثر نحن الأحياء القادرون على العمل، أم هؤلاء المساكين الذين سبقونا إلى الدار الآخرة؟

 

لكني تراجعت عن التعليق، فقد انطفأت حماستي للجدل تماماً في هذه المواقف، منذ اعتدت أن أعيشها منذ وصلت إلى تركيا أول مرة، وتحديداً إلى أنقرة، زائرة جديدة نحو هذا البلد الأكثر تشويقاً من صندوق ألعاب ضخم بين يدي طفل صغير..

 

كنا نذهب ذاهلين إلى مسجد "الولي حاجي بايرام"، وكانت السيدات في قمة أناقتهن وحشمتهن، يحشون الرسائل والأموال تحت نعش الوليّ، ويدعون الله – أو الحاج بايرام، لا أدري- بأن يوسّع رزقهم وينجح أطفالهم بالامتحانات.. وفي مقام أبو أيوب الأنصاري، كنا نقرأ الفاتحة على الضريح ونمضي، لكن البعض يمكثون للدعاء، لا للصحابي الجليل، بل لأنفسهم وأحبائهم..

 

على باب غرفة الأضرحة، أو المسجد لستُ أدري، كانت هناك لوحة تشير إلى أسماء السلاطين وذرياتهم المدفونين في الداخل، كان اسم السلطان عبد الحميد الأول الذي قاتل الروس ببسالة، والسلطان مصطفى الثاني الذي قاد الجيش العثماني بنفسه في عدة معارك..

 

تأملت الأسماء وأنا أفكر كيف سيشعر سلطان دانت له الأرض، وسُميت بلاده بالمشكاة في عصر الظلام، حين يرى أحفاده قد التحقوا بعصر النهضة والحداثة، فلبسوا كل أنيق وحملوا كل أداة عصرية، لكن علاقتهم مع الله ما زالت تنتمي لعصر الظلام.. عصر التعبّد والتقرب إلى الله عبر أصحاب القبور..

 

وفكرت.. هل يستحق ما وصل إلينا من المدرسة الصوفية، جهود العلماء من أجل تهذيبها وتنقيتها من البدع والممارسات المناقضة للعقل والإيمان، أم أنها مهمة صعبة لا تستحق العناء؟ وما دامت الصوفية قد ظهرت في عصر انتصار المسلمين واستغراقهم في العلم والمادة، فحاولت حثهم على الزهد واعتزال مباهج الدنيا، فهل يصلح إحياؤها في زمن انفضّ فيه المسلمون عن العلم وأسباب القوة؟

 

نفضت كل هذه الأفكار عن رأسي وقررت أن أغادر المكان سريعاً.. قرأت للسلاطين الفاتحة، ودعوتُ ألاّ تتكدر أرواحهم بخزعبلات تُتلى على رأسهم كل يوم.. 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة