فُوبيا الأدب تُصيبني، والقَصيدةُ قصَمَت قَلبي!

blogs - الكتابة

آخر اللّيالي لَم تَعرِف النّوم، كَانت القصائدُ تسيلُ تباعاً، حَرفاً حَرفاً، وتمتَص مَعها -بثمالةٍ- ما تَبقى من وَحي الشّعر، أو شَيطانِه، كُنتُ أحملُ كفنيَ الأسود، في ليلٍ أشدّ بياضً مِن فودَي جَدّة، وأسيرُ في نَفسي أفتِّشُ عَن مُفردةٍ لَم تَمت، مُفردةٍ أحمِّلُها يأسي، وسُكونِي، دونَ أن أنطِقَ بها، أو تَنطقَ بي، دونَ أنْ أعلِكَ الأبجديّة بينَ فكيَّ الراجِفينْ.

 

منذُ أشهُر، جادَ المَوقفُ بمقطوعةٍ شِعرية مرتَجلة، أحبَبتُها كَما أحبَبتُ قلباً ما، ونَشرتها كَما أوحِيتْ لي تَماماً، فَنبهني صَديقٌ غَيورٌ على الشّعر إلى كَسرٍ عَروضيّ في السّطر الأخير، وأنا الذي ألمسُ الكَسرَ بقلبي قَبلَ أذُني أدركُ ذلكْ، تَمهلتُ قبلَ أن أجيبه، حَاولتُ أن أخدَعه، قلتُ لكَ أنني لَم أجد مُفردةً تَفي بالوَزنِ والمَعنى، فلم يُصدقني، حقاً هي حُجّةٌ واهِية، وإنّني سَيئ في اختلاق الحُجج، لم أجِد بُداً مِن إخباره، قلتُ لهُ إن قُدسية المَوقف، فوقَ قدسيّة الوزنْ، وأنا الذي أعرفُ كسرَها، لكِن لأجلِها كَسرتُ شِعري، سألَني: أتَستَحِق .؟ ، اليَومَ أجيبُه: -بَعد أن كَرّرتُ أمس نَفسَ المَوقف مَرّة أخرى- كَسرتُ قلبي يومَ كسرتُ شِعري .

 

إنّ انتقالنا مِن الفِكرِ إلى الحُبّ أضاعَ بقيّتنا، وتَركنا في خَواءٍ مخيف ثُمّ نُنادي لِنهضةٍ فِكريّة، أيّ نهضةٍ هذه إذا لَم يَنهَل القُرّاء مِن كُلّ المَعارِف.

لا أعرِفُ حقاً لماذا تَمتدُّ البداياتُ اللامَنطقية الى فَوضى حَديثي، ولِماذا تَغرزُ الذّكرياتُ مخالِبها كُلّ حينٍ في كُلِّ شيءْ، أنا مُنذ أيّامٍ أكتُب المَقالَ في رأسي، أقرأهُ مَرّاتٍ في سَكَتاتِ المُحاضِر، أضبِطُ هذه الكَلمة أمامَ بابِ الكُلية، وأحذفُ الجُملة العاشِرة وأنا أحادِثُ أحَدهم، وأقفُ في وسط الطَريقِ أبلهاً أتَتهُ فكرةٌ كبيرة، يَخشى إن مَشى أن تَقَعْ، لكني عِندما أصلُ إلى الورقةِ يبيَضّ رأسي مِثلها، فأضطرّ مرة أخرى لاستذكار ما أريد.

 

كُنتُ أقولُ أنني أصبتُ بفوبيا الأدب، أو الأدب الحَديث خاصّةً، فلستُ أطيقُ أن ألمَسَ غُثاءَ الأجيالِ التي تَرتَكبُ كلّ يومٍ مجازراً بحق الأشجار كَما قالَ يوماً صَديقُ باولا، ولستُ أطيقُ أن أرى السّاحة الأدبية الجليلة تَعُجّ بمن دَخلوها مِن غيرِ أبوبها، وبِمن ألصقوا أنفُسهم بالأدب، والنّقد، والقصة، والرواية، لِتضحي ميداناً يسكُنه من شاءَ بلا رَقيبٍ ولا حَسيبْ، ولستُ أطيقُ أن يُقتلَ الأدب كُلّ يومٍ على يَدِ مَن يَنسِبونَ أنفُسَهم إليه.

 

إنّ انتقالنا مِن الفِكرِ إلى الحُبّ أضاعَ بقيّتنا، وتَركنا في خَواءٍ مخيف، فعلى رُفوفِ المَكتبات، يَعلو الغُبارُ كُتُبَ الفِكرِ، والفَلسفةِ، وتَكادَ أوراقُ الرّوايات الفارِغة تَتَمزّق لفرطِ الاستعمال، ثُمّ نُنادي لِنهضةٍ فِكريّة، أيّ نهضةٍ هذه إذا لَم يَنهَل القُرّاء مِن كُلّ المَعارِف، وإذا لَم يهضِموا فيهِم ألفَ فكرٍ، وألفَ فلَسفة، ليَنهضوا بتَجديدٍ قبلَ الثّورات، وبفكرٍ نَيّرٍ يَقودُ إلى استقرارٍ في السّلطة والتّحول، فقَد قيل "التنوير شَرط للتَّثوير، والتثوير بِلا تنوير مُجرد تغيرٍ اجتِماعيّ أو انقِلاب في الأوضاع تُحدثه السلطةُ القائِمة في المُجتمع، ويتغير بِتغير السلطة، فهو تَغير اجتماعي يَقوم على أساس مُتخلف ولا بَقاء له إلا ببقاء السلطة الضامِنة له، وبالتالي يَظل خارِجياً، ولا يحدث تأثير فعلي اذا لَم يخلقهُ وَعي، ولم يخلقْ هوَ وعياً" (1)

 

أعتقدُ أنّ الكلامَ النّظريّ يحتاجُ الى واقِعٍ يُطبقه، فطبقتُه على قَلبي، وكَسرتُ قلمي، وامتَنعتُ عَن المُحاباة على حِساب الأدب، ويحتاجُ أيضاً رقابةٍ صارِمة على الكُتُب قبلَ نشرها مِن وزارة الثقافة في الدّولة، لأنّ دور النّشر لَن تَتَوقفَ عَن نشرِ الهُراء، ولَن تَتَوقفَ في بَثّ السموم وَهدم النسيجِ الاجتماعي إلا بهذه الطَريقة، فَرحِم الله مِصر حينَ كانَت تَكتب، وبيروتَ حينَ كانَت تَطبع، وبغدادُ حينَ تَمشي الكَلِماتُ بها على قَدَمين.

 

سأظلُّ أحملُ فوبيا الأدب في قَلبي إلى أن يَعودَ الأدبْ، وأعيدُ تَرتيبَ ما قَصَمته القصائِدُ فيّ، وأرمِمُ خَوفي مِن غثاءٍ قادِم، سَأظلُّ أحملُ شِعاراً ألهياً يقولُ: "وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا" (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. فريال خَليفة، نَقد فلسفة هيجل، دار التنوير، 2006، ص6

2. البقرة، 189.



حول هذه القصة

US President Barack Obama (R) and Japanese Prime Minister Shinzo Abe (L) hold a joint press conference following their visit to the USS Arizona Memorial (in background) in Pearl Harbor in Honolulu, Hawaii, USA, 27 December 2016, 75 years after Japan's attack on Hawaii in 1941. Abe is the first Japanese prime minister to visit the Arizona Memorial and the fourth to visit Pear Harbor after World War II.

أحيا الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الثلاثاء ذكرى ضحايا بيرل هاربور بعد 75 عاما على الهجوم الياباني على هذا الميناء، وأشادا بالمصالحة وقوة العلاقات الثنائية.

Published On 28/12/2016
مستوطنة بسغات زئيف شمال شرق القدس (تصوير- عوض الرجوب-الجزيرة نت)

أعلنت إسرائيل دراسة طلبات لبناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة في الأراضي المحتلة، بعد أيام فقط من صدور قرار من لـمجلس الأمن الدولي يدين عمليات الاستيطان، وأدانت واشنطن المسعى الإسرائيلي.

Published On 28/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة