شعار قسم مدونات

صاحبة صاج الفلافل

BLOGS- لاجئة
على بعد أكثر من ثلاثة عقود من تلك الأيام لا تغيب عن مخيلتي صورتها وهي تستيقظ كل يوم قبل أذان الفجر شتاء وصيفا وما بينهما، لتبدأ موعدا مع الشقاء لا ينتهي إلا بحلول الليل، تخالف في عملها كل قوانين العمل، فيكف لامرأة أن تعمل لنحو ١٦ ساعة دون توقف، وتدير دكانا ومطعما وبيت.
 

كانت تلك السيدة معروفة بين أقاربها بقصة كفاحها، فهي تزوجت كما بنات جيلها وهي طفلة لم تتجاوز ١٥ عاما، وفقدت والدتها قبل زواجها، ووالدها بعد أيّام فقط من هذا الزواج. وكونها أكبر إخوتها فقد تحملت مبكرا هم تربية أيتاما، ولدين وثلاثة بنات، وأنجبت من الأولاد أربعة، ومن البنات ثمانية، فقدت اثنتين منهما بسبب الأمراض التي كانت أحد أعداء اللاجئين الفلسطينيين في رحلات العذاب التي طاردتهم وباتت جزء من مأساتهم.
 

علمتنا تلك السيدة أن التعليم هو السلاح في زماننا، كانت تقول إننا لاجئون من فلسطين، لا مال لدينا ولا سبيل أمامنا إلا الدراسة والتفوق.

كانت من "سيدات الأعمال" المتعددة، تتقن الزراعة والتجارة والخياطة وأخيرا مهام صناعة أكلة شعبية اسمها الفلافل. قصة الفلافل ووعاء صناعته "الصاج" هي التي رسخت في مخيلتي في طفولتي كوني كنت شاهدا عليها.
 

في منتصف الثمانينات من القرن الماضي غادر زوج تلك السيدة مع ابنتهما الكبرى للسعودية لتعمل البنت كمعلمة هناك علهما ينقذان عائلة تعيش الفقر واللجوء، وقررت الأم أن تسد مكان الأب بإدارة دكانه، وقررت أن تصنع الفلافل فيه في محاولة لزيادة وتنويع دخلها.
 

كان صوت ماكينة فرم الحمص المكون لعجينة الفلافل يسبق آذان الفجر من المسجد القريب، لتبدأ بعدها رحلتها مع إضافة البهارات المكونة لها وصولا لإحماء الزيت، ومن ثم انطلاق عملية صناعة الفلافل بعد صلاة الفجر.
 

يتقاطر الزبائن أطفالا ونساء وبعض الرجال، يأخذون حاجتهم ويتجهون بعدها كلٌ إلى سبيله حيث المدرسة أو العمل. كنت أتعجب من مهارتها وسرعتها في وضع الحبات على "القالب" ومن ثم إلقائها في الزيت، وأعشق تلك الرائحة التي لا أنساها بأشهى حبات الفلافل التي شممتها وأكلتها في حياتي.
 

كانت توفق بشكل لافت بين صناعة الفلافل وبيع الزبائن ما يطلبون من أغراض في دكان متواضع في حارة فقيرة في مخيم للاجئين الفلسطينيين في الاْردن. كانت الأغراض بسيطة، كيلو سكر، باكيت شاي صاحب اللون الأحمر الشهير ماركة الغزالين، عدد حبات من البيض "كان البيض في زماننا يباع بالحبة"، وغيرها من أغراض بسيطة.

أذكر لحظات البيع لأنها كانت تشكل فرصتي في مساعدة صاحبة الصاج في عد حبات الفلافل في "زعموط -كيس ورقي يصنع يدوياً على شكل مخروط-" وتسليمها لصاحبها، ومتعتي كانت مضاعفة إذا ما لسعت سخونة تلك الحبات أصابعي.
 

لا أذكر أنها تغيبت يوما صيفا أو شتاء، كانت عندما تنتهي تقوم بتنظيف أواني صناعة الفلافل، إضافة لدكانها الذي كان مضربا للمثل في النظافة، ثم تنتقل لسيرة حياتها اليومية، بين الطبخ في البيت وتنظيفه، وترتيب أمور دكانها، بل والتوجه للسوق لشراء أغراض بيتها ودكانها.
 

لازمها طقس لم تغيره لسنوات طويلة حتى خانتها صحتها، وهو أن يستيقظ من هم حولها صباح كل جمعة على رائحة الخبز المصنوع على الصاج وتحته الحطب ليفطر أبنائها على أشهى أنواع الخبز.
 

هي جيل من الأمهات بنى من النكبة واللجوء وانعدام الأمل أملا وحياة، انقذت بعائلتها عائلات، وأنجبت للمجتمع عشرات النافعين والنافعات.

أتحدث هنا يا سادة عن السيدة الأولى في حياتي وحياة عشرة من الأبناء والبنات أنا أصغرهم، كونوا عائلات تضم الْيَوْمَ ٤٤ حفيدا، إنها أمي التي نجحت في حياتها، وتحصد الْيَوْمَ نجاح أبنائها وعائلاتهم التي يوجد فيها المعلمون والمعلمات والأطباء والممرضون وغيرهم من المتفوقين ومن يسير على دربهم، وصحفي يكتب لكم ويسير على هديها.
 

علمتنا تلك السيدة أن التعليم هو السلاح في زماننا، كانت تقول إننا لاجئون من فلسطين، لا مال لدينا ولا سبيل أمامنا إلا الدراسة والتفوق، وإن قيمتنا تكمن في صدقنا وأمانتنا وسيرتنا مع الله قبل البشر.
 

أمي ليست بدعا من نساء هذا الزمان، بل هي سيدة درست حتى الصف الخامس الابتدائي لكنها تنتظم في حلقات حفظ القرآن الكريم بعد عامها السبعين، وتحفظ من القصص والعبر ما يعجز عنه قراء الروايات والحكماء بلا أي حكمة. هي جيل من الأمهات بنى من النكبة واللجوء وانعدام الأمل أملا وحياة، انقذت بعائلتها عائلات، وأنجبت للمجتمع عشرات النافعين والنافعات.
 

أمي انتقلت من الخيمة في الكرامة بغور الاْردن، إلى "البراكية -غرفة من صفيح الألمنيوم-" تحول لبيت متواضع في مخيم البقعة، لا زال منارة لكل من يزوره، وهو أكثر الأماكن أمنا بالنسبة لي في هذا العالم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.