ذكريات حرب غزّة.. في تل أبيب!

blogs- غزة
صحيحٌ أن مآسينا كثيرة، إلا أن لكل منها بصمة تترك فينا أثرًا لا يزول، حتى لو لم نكن تحت القصف فعلاً، وآثار غزّة وحرب الفرقان التي ختمنا بها عام 2008 لا تزال ذكرياتها معي وأنا الذي قضيت أكثر أيامها في تل أبيب!

في تل أبيب عشت تحت قصفٍ من نوع آخر، لا صواريخ فيه ولا فسفور أبيض، وإذا كانت غزّة قد صمدت تحت هذا القصف لثلاثة أسابيع، فقد كدت أُعلن هزيمتي في أول يوم في تل أبيب بعد الحرب، وهو يوم من الأيام التي لا أنساها، مع أنه لم يكن أول يومٍ ولا الثاني، فالأول كان يوم سبت اليهود والأحد كان إضرابًا عامًا، أما الثالث فكان عندي يوم المواجهة الأول.

لم أكن مقتنعاً يوماً أن "الكتابة هي الحل"، فلا يُعقل أن تُختزل كل الحلول فيها، فما أكثر من يكتب كي يُريح ضميره وبأسهل الوسائل.

ما لا يُنسى، كيف كان الجميع مُستنفر في تل أبيب، محطات القطارات تعجّ بالجنود الشباب وهو أمرٌ ليس بالغريب على تل أبيب فكثيرًا ما تكون محطاتها أشبه بثكنة عسكرية إلا أنها في تلك الأيام كانت أشد، والأشد من هذا أن تتخيل للحظات أنك جالسٌ مع من سيذهب لقتل أهلك، شيءٌ يكاد يُفقدك عقلك!

في الكليّة يستقبلك الطلاب بوابلٍ من الأسئلة، كأنها الصواريخ، حيث يسأل أحدهم بخُبث: "هل رأيت ما فعلنا بهم؟" وآخر مع ابتسامة حقيرة "لقد سحقنا حماس"، وبعدها يأتيك من يُطالبك بالتأكيد على "الولاء" لإسرائيل ضد أعدائها، وما إن تتلفظ بإجابة لا تروق لهم حتى تُعلن الحرب ضدك "كيف تقول هذا الكلام وأنت تحمل الجنسية الإسرائيلية؟ "، ويكمل "يجب أن نُرحّلكم إلى غزّة!"، وبعد هذا كُله يأتيك روسيّ يتحدث عبريّة مُكسّرة باقتراح أوقح "أفضل الحُلول أن نُلقي بقنبلة واحدة ضخمة فوق غزّة.. لنرتاح منها!".

تتأمل وجوههم و"القصف"، فلا تملك شيئاً تُجيب به إلا إقتراح بتفجير رأس زميلك الروسي الذي يرغب بتفجير غزة وهي إجابة كافيّة كي تخدع نفسك وتوهمها بأنك حققت نصرك الأول بينما أنت في الواقع تُعلن هزيمتك، كيف لا؟ وقد بدأت التفكير بترك دراستي من شدّة الشعور بالهزيمة والإحباط، وخوفاً من ردود أفعالهم.. التي أذهلتني لاحقًا، فحضراتهم لم يتأثروا كثيراً بأجوبتي، حتى لو كان بعضهم قرر مقاطعتي، إلا أن كُل ذلك أهون من ردود فعل العرب على زميلهم اليهود الذي كان يُمكن أن يسمح لنفسه أن يتهجم عليهم.. لو كان يدرس في غزّة مثلاً!

ليس في الأمر حُسن أخلاق، فأكثر أولئك الزُملاء كانوا من خريجي الجيش، وأقلهم يقضي 3 أعوام من حياته في ظروف قاسية وصعبة يتدرب فيها على المعارك والأسلحة، ولهذا كان بعضهم يتعامل معي على أنني "الصغير" الذي تخرّج من المدرسة للتو، بينما هم تخرجوا من الجيش واكتسبوا الخبرات ثم قرروا الالتحاق بالكلية للدراسة، هذا غير أن بعضهم كان يُعلن دائمًا وبصراحة أن طموحه هو الوصول إلى سلاح هندسة الصواريخ، وآخرون كانوا موظفين في الجيش ويدرسون على حسابه كي يساهموا في تطويره لاحقًا، وهذا كُله شيء، وحقيقة أن أكثر هؤلاء كانوا يُغادرون مقاعد الدراسة حين يحتاجهم الجيش كجنود احتياط شيء آخر تماماً، يؤكد أن معركتهم الحقيقية ليست في "الكلام" فقط!
 

في تلك الأيام، كُنت أفكّر بأصدقائي العرب كثيرًا، أكثر من غزّة، فغزّة تُجيد الدفاع عن نفسها ولكن ماذا عنّا نحن وما الفرق بيننا وبين الشباب الإسرائيلي؟

أكثرنا بارعٌ في الحديث والتحليل والشجب والاستنكار من خلف جُدران الفيسبوك، تمامًا مثل جامعة الدول العربية التي نستكر عليها هذا الفعل نفسه، وإن كان شيءٌ يُميّز حرب 2008 فهي "المقاومة الاليكترونية" التي كانت تهدف إلى المقاومة الإعلامية للآلة الإعلامية الصهيونية، وصارت هذه من أسمى أماني شباب الأمة، وبها اكتفوا، بينما أعداد هائلة من الشباب الإسرائيلي تقبع في المعسكرات وتستعد للمعركة، هذا غير الذين كُنت أراهم كل يوم في طريقي إلى الكلية وهم يحملون حقائبهم الثقيلة والأسلحة وهم متجهين إلى غزة.

في تلك الأيام، كتبت كثيرًا من أجل غزّة ورفع الظلم والحصار عنها، إلا أنني لم أكن مقتنعاً يوماً أن "الكتابة هي الحل"، فلا يُعقل أن تُختزل كل الحلول فيها، فما أكثر من يكتب كي يُريح ضميره وبأسهل الوسائل، بينما هو جالسٌ في مقهى فاخر في بقعة ما بعيداً عن الحرب والدمار، حتى لتكاد تشعر أن الأمة كُلها في جهاد وأنت تجلس أمام الحاسوب فإن خرجت.. وجدت كُل منشغلٌ بحاله وشؤونه الخاصة، وكأن غزّة ليست إلا تسلية فيسبوكيّة!

نجد الكثير من مناضلي الفيسبوك اختفوا فجأة حين بدأن موجات اللاجئين بالتدفق على بلادهم، وبدلاً من مد يد العون لهم.. راح البعض يُطاردهم.. كأنهم هم سبب الخراب.

قلّة هي التي كانت تُجيد التحرّك الفعلي على أرض الواقع بعيداً عن الجعجعة.. ومن هؤلاء ثلّة "عظيمة" من الطلبة الفلسطينيين في جامعة تل أبيب، كان لتظاهراتهم وزناً أخطر من كُل مظاهرات العرب إلا أن الصحافة العربية لم تكن تُبال كثيراً بأمرهم وأذكر أن أعداد رجال الشرطة في إحدى هذه المظاهرات كانت أضخم من أعداد المتظاهرين أنفسهم، ولم تنته إلا والشرطة مع مخابراتها السريّة تنهال بالضرب على المشاركين!

كان واضحاً، أن للمظاهرات أثرٌ في تل أبيب وغيرها، ولكن الأعظم منها -برأيي- كان التواصل الحقيقي مع أهل غزّة، وكان ذلك مع المرضى وذويهم ممكن كانوا يتعالجون في تل أبيب في تلك الأيام، وكانوا بأمس الحاجة للدعم النفسي على الأقل، ولم يكن هناك من يُمكنه القيام بذلك كما طلاب جامعة تل أبيب من فلسطينيي الداخل، وبالفعل بدء هذا النشاط الجليل مع بدء الحرب وكانت هناك زيارات كأنها عائلية ودعم نفسي ومادي استمر لفترة طويلة لاحقًا وكانت له بصمات لا تزال قابعة في أذهان المرضى وذويهم كما في نفوس النشطاء وداعميهم، وقد كُنت شاهداً عليه لأكثر من عامين في تل أبيب وحدها فقط!

لست أكتب هذا الكلام للتسلية، ولكنني أكتبه للتاريخ وللشباب العربي الذي بات لا يُجيد إلا النضال "الفيسبوكي" غالباً، علماً بأن أبواب الخير أوسع من أن تنحصر في هكذا باب، ولو تأملنا سوريّا كمثال، سنجد أن الكثير من مناضلي الفيسبوك اختفوا فجأة حين بدأن موجات اللاجئين بالتدفق على بلادهم، وبدلاً من مد يد العون لهم.. راح البعض يُطاردهم ويتهمهم بأسوأ التهم.. كأنهم هم سبب الشر والخراب، والأصل أن كثرة ثرثرتنا والجعجعة هي سر كل مشاكلنا!



حول هذه القصة

تشعر أم محمد -وهي لاجئة سورية من حلب- بأن حسرة أهل غزة لا تقل عن حسرتها وحرقتها على ما يتعرض له أهلها من مجازر وجرائم على يد النظام السوري وأعوانه.

16/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة