شعار قسم مدونات

الاتفاق التركي الروسي ونظام الحافلات الخضراء

BLOGS- سوريا

اليوم هو آخر أيام السنة وسيكون ميلاداً لأيام جديدة من الهدنة في عموم سوريا، التي جاءت نتيجة مفاوضات شرسة أو ربما تنازلات من الجانب التركي بعد أن تأكد هذا الأخير عقب الانقلاب العسكري عليه عقم الغرب في إيجاد حل.
 

ولقد تناقلت كل وسائل الإعلام هذه الخطوة والهدنة ووصل النقاش والصياح على الشاشات ربما أكثر مما كان على طاولات المفاوضات، فالحدث مهم جدا وكلمة بوتين التي قالها "ما تصير تنتين" وكأنه الرئيس السوري، لأن الأطراف الإقليمية قد اقتنعت بالحل وأن لم تكن قد توصلت إليه بعد..
 

بعد سنوات من المماطلة الغربية المقصودة يتنازل الأتراك قليلا لعدوهم في الصراع داخل الأراضي السورية روسيا لتسوية المسألة في ظل غياب واضح للغرب.

طيلة الأسابيع السابقة وتركيا وروسيا تتفاوض إلا أن توصلت اليوم إلى ما تشاهدونه، بينما كان النظام خلال هذه الأسابيع الماضية لا يستطيع أن يتفق مع مليشياته المستأجرة حول كيفية نقل سكان حلب، بل لم يكن قادراً حتى على تطبيق اتفاق جاهز.
 

اليوم بعد أول أيام الهدنة تعيد كل قوى المعارضة ترتيب خطوطها وصفوفها تماماً كما تفعل المليشيات التي تقاتل نيابةً عن النظام، وينشر الروس شرطة خاصة في كل أحياء حلب، ولسخرية الأقدار الكثير منهم من الشيشان الذين طالما كانوا مادة دسمة لقنوات إعلام النظام ومرتزقة حسب تعبير سيادة الرئيس الأوحد.
 

أما على الجانب السياسي فيبذل الروس والأتراك جهداً كبيراً من أجل تطبيق الهدنة والتجهيز لحل سياسي قد ينهي المسألة برمتها، أمّا النظام فهو مشغول بترتيب الحافلات الخضراء وإعادة انتشارها ضمن خطة عسكرية محكمة للغاية، فالسيادة لا تسمح أن يلعب آخر هذا الدور المهم.

هل تنجح هذه الهدنة أو تكون مقدمة لحل سياسي شامل؟
إن جديّة الأطراف المتّفقة توحي بذلك، وقد تثبت الأيام القليلة القادمة مدى رغبة وثِقل هذه الدول في تطبيق الحل الذي عجزت عن الوصول إليه أمريكا والغرب اللذان أطالا عمُر الصراع إلى حد استنزفت سوريا نفسها. إلى أن يكشِف المستقبل المستور يُخبرنا الماضي والتاريخ مُسبقاً بالنتائج التي قد تكون، فهناك قصة مشابه جداً لقصة الوضع اليوم.
 

ففي بدايات القرن التاسع عشر حدثت تقريبا نفس الأحداث التي نشاهدها اليوم مع نفس اللاعبين الدوليين، ففي خِضم الصِراع بين السلطان العثماني محمود الثاني وواليه على مصر محمد علي باشا الذي زحف بجيشه واحتل الشام كاملةً واستطاع أن يهزم الجيش العثماني المُشكّل حديثاً، تدخلت كل الدول الأوروبية لمحاولة تسوية المسألة واستغلال الخلاف وأخذ الكثير من الامتيازات والنفوذ.
 

هل سيخرج بشار كما خرج محمد علي نتيجة التوافق الدولي؟ إن تم الاتفاق فأنا أجزم بأنه سيخرج لأنه لم يعد يملك سوى مجموعة من الحافلات الخضراء.

أدرك أخيراً هذا السلطان عدم جدية الدول الغربية التي تبحث عن مصلحتها، فالتجأ إلى عدوهِ الأول روسيا وقال كلمته الشهيرة "الغرقان يستعين بالأفعى" لكي تساعده في صراعهِ ضد محمد علي باشا. وتم الاتفاق بعد مفاوضات طويلة وتنازلات من قِبل الأتراك العثمانيين لروسيا عن حرية الملاحة والمرور عبر المضايق. هذا الاتفاق أيقظ أوروبا من سباتها لأنه يجعل روسيا حقيقة في البحر الأبيض المتوسط، ولكي تتدارك الأمر قامت أخيراً بحل الأزمة وكادت أن تحصل حرب عالمية بين فرنسا من جهة وبريطانيا وروسيا من جهة أخرى.

أحداث اليوم تتشابه وكأن التاريخ يعيد نفسه، فبعد سنوات من المماطلة الغربية المقصودة يتنازل الأتراك قليلا لعدوهم في الصراع داخل الأراضي السورية روسيا لتسوية المسألة في ظل غياب واضح للغرب. التاريخ يخبرنا أن الروس والأتراك جديون في حل المسألة، وأن الغرب سيسعى لعرقلة الحل لكي يكون طرفا فيه. وسيكون سبب المشكلة بشار الأسد خارج الحِوارات والمفاوضات الدولية كما كان محمد علي باشا.
 

فهل سيخرج بشار كما خرج محمد علي نتيجة التوافق الدولي؟ إن تم الاتفاق فأنا أجزم بأنه سيخرج لأنه لم يعد يملك سوى مجموعة من الحافلات الخضراء.