وماذا بعد داعش؟

blogs - شعار داعش

لا داعي لأي محاولة لخداع النفس وتمنيتها بأوهام زائفة وغير حقيقية.. الحقيقة أجدر أن تُقال.. القضاء على تنظيم داعش ليس سهلا، وعتمته ما زالت مسيطرة على أجزاء كبيرة من سوريا والعراق.. ليس ذلك بسبب تخاذل الجيوش في محاربة هذا الورم القميء، بل بسبب كثرة الأوراق التي تقع في أيديهم، والتي سيؤدي استعمالها إلى كوارث ومصائب هائلة.

 

فمثلا حياة المدنيين العزّل الذين يعيشون في مناطق تتواجد فيها قوات التنظيم تعتبر ورقة مهمة تستغلها داعش لرد قوات أعدائها التي تتوخى حذرها أن تصيبهم بسوء إلى حد ما، كذلك سلاح الانتحاريين الذي تمتلكه داعش.. في حقيقة الأمر هذه الورقة مهمة ومؤثرة جدا، وكثيرا ما تسببت في تغيير مجريات الأحداث على مر العقود.. فمثلا غواصات «الكايتن» الانتحارية التي كانت تستعملها اليابان إبان الحرب العالمية الثانية كان لها تأثير قوي جدا في إلحاق الضرر بسفن الولايات المتحدة، وإحداث فارق في مجريات أحداث الحرب.. كذلك انتحاريو داعش، لهم دور كبير في تغيير مجريات الحرب، فخلال الهجوم على مدينة الموصل (أكبر معاقل داعش في العراق) كان الانتحاريون يفجرون أنفسهم في مدن أخرى مثل كركوك، مما يؤدي إلى تشتت قوى أعدائهم وجرهم إلى ساحات قتال هم يريدونها ويختارونها.

 

يجب نعرف منابع هذه العقيدة ونجتثها من جذورها مهما كانت هذه المنابع ومهما كانت قدسيتها، فلا يوجد ما هو أقدس من حياة الإنسان التي هي أقدس عند الله من هدم الكعبة الشريفة

ولكن لا تقلقوا.. هذا النوع من التنظيمات لا يطول عمره مهما عظمت قوته، ودائما ما يشغل من عمر البشرية فترة زمنية محددة ثم يختفي مرة أخرى.. السؤال هنا: هل ستظهر تنظيمات مثله مجددا في المستقبل؟ هل ستظل البشرية تعاني في كل عقد تعيشه من مجموعة إرهابية جديدة؟ نعم.. سيحدث.. ما دام صنبور الإرهاب مفتوحًا سيحدث ذلك حتمًا.. ما لم نعالج عقائدهم التي يعتنقونها ويضحون بأنفسهم في سبيلها فسنكتوي بجحيمهم الذي سيطولنا جميعًا.. ما لم نقضي على الجهل الذي يفترس عقول البسطاء سنظل نعاني من الارهاب.. ليس منطقا أبدًا أن نعيش في مستنقع قمامة، ثم نتعجب عندما نرى مرضى وموبوئين.. بل الأدهى والأمرّ أننا نتجه إلى قتل هؤلاء المرضى ظنًا منا أن ذلك سيخلصنا من المرض وسينهيه للأبد.

 

دائما ما نقرأ في بيانات داعش بعد كل عملية انتحارية أو بعد كل هجوم بعض الكلمات التي تتكرر باستمرار وبشكل لافت للنظر مثل «المرتدون.. الخوارج.. الكفار.. الصليبيون.. الشهيد.. المجاهد» وأحيانًا ما يتم ذكر أسماء أشخاص بأعينهم، وغالبا ما يكون هؤلاء الأشخاص ضباطًا أو مجندين.. هذه الكلمات مهمة ومفصلية جدا في هذه القضية، لماذا يعتبر الداعشيون المدنيين العزل الذين يقتلونهم مرتدين؟ ولماذا يعتبرون جنود الجيش المصري مثلا خوارج؟ ولماذا يطلقون على الغرب كلمة صليبيين وكأنهم بذلك رخصوا لأنفسهم إراقة دمائهم؟ ولماذا يعتقد الداعشي بأنه إذا دهس المارة في مدينة نيس أو إذا ألقى قنبلة في مطار إسطنبول أو إذا فجر نفسه في مقهى في باريس، سيُحتسب شهيدا، وسيكون طريقه للجنة ممهدا سالكا؟ كل هذه الأسئلة مهمة ومفصلية ويجب أن نجيب عنها ونعرف منابع هذه العقيدة ونجتثها من جذورها مهما كانت هذه المنابع ومهما كانت قدسيتها، فلا يوجد ما هو أقدس من حياة الإنسان التي هي أقدس عند الله من هدم الكعبة الشريفة.

 

لا شيء يعلو على التفكير النقدي الذي يجب أن يطال كل شيء.. تقديس الأشياء وإحاطتها بهالة من الهيبة هي من سمات المجتمعات البدائية المتخلفة.. فمثلا عندما نقول إن مناهج الأزهر يجب أن تُعدل، فهذا ليس شططًا وليس تخريفًا.. أعرف أن هذه المؤسسة تحظى بتقديس كبير في مصر منذ قرون، ولكن إذا كنا نريد الرقي فيجب علينا تدبر الأمر بعقلانية وحياد.. مناهج الأزهر تحتوي على أشياء كارثية لا تساوي شيئا بجانب ما يفعله داعش كل يوم، ويمكنك الرجوع إلى فتاوى أكل لحم الأسرى، وترخيص حياة المرأة مقارنة بالرجل، وقتل تارك الصلاة، وتمييز المرأة المسيحية بطوق من حديد حول عنقها، وإسقاط النفقة عمن تم اغتصابها وغيرها الكثير والكثير من فتاوى تعد من أهم ارتكازات الدواعش.. يجب على الأزهر أن يتخلى عن حالة الشيزوفرينيا التي يتقمصها، ويكف عن وصف نفسه دائما بالمعتدل والوسطي ومناهجه تحتوي على قنابل موقوتة!

 

يجب أن نُوقف هذه الاستراتيجية الهمجية التي نتبعها مع المعتقلين، هذا ليس خيارا، إن لم نتوقف عن معاملة المعتقلين على أنهم مجرمون فسيتحولون إلى قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أي وقت.

منذ فترة كتب البرادعي تغريدة على تويتر نصها «رحم الله كل نفس ذهبت لخالقها. هل من عاقل يخرجنا من ظلام الكراهية والعنف المتبادل إلى نور التسامح والعيش المشترك، درءًا لحريق لا يبقى ولا يذر؟».. بعد أن كتب الرجل هذا الكلام ببضع دقائق، قامت الدنيا ولم تقعد، ووصفوه بالهرطقة والتطرف ومحاباة الإرهابيين على حساب جنودنا الشهداء.. أعتقد أن كل ذلك كان نابعًا من فهم سطحي جدا لهذه التغريدة.. الرجل لم يكن يقصد دفاع الجنود عن أنفسهم بالعنف المتبادل، بل كان يقصد التعذيب الممنهج والمعاملة القاسية التي يلاقيها المعتقلون في السجون، هذه المعاملة تتسبب في أحيان كثيرة في توجيه أشخاص كُثر إلى الفكر التكفيري المتطرف وأبرز هذه الشخصيات كان شكري سرحان (مؤسس جماعة التكفير والهجرة) والمفكر سيد قطب وأبو بكر البغدادي (زعيم تنظيم داعش)، وهذا ينقلنا إلى نقطة أخرى محورية في هذا الموضوع.

 

لقد ذكرت في بداية المقال أنه كثيرًا ما تلاحظ وجود أسماء أشخاص معينين في بيانات داعش، وأن هذه الأسماء في الغالب تكون أسماء ضباط أو مجندين.. وهذا يؤكد وجود عداء دفين بين بعض هؤلاء الإرهابيين وبعد ضباط الشرطة، وبالطبع ليس ذلك العداء ناتج عن اختلاف في وجهات النظر مثلا! بل يُرجح أن يكون ناتجًا عن انتقام من أفعال بعض الضباط، وإلا ما كانوا ميزوهم عن غيرهم.. نحن لسنا بصدد التفكير في أن كان ذلك العداء والانتقام في محله أم لا، ليس ذلك هو المقصود.. المقصود هو أن ذلك يرجح أكثر اتجاه بعض المعتقلين إلى الأفكار الإرهابية للانتقام ممن كانوا يعذبونهم ويهينوهم، ويؤكد ذلك أكثر إعلان داعش مسئوليته عن تفجير مبنى أمن الدولة (الشهير بما يحدث فيه من تعذيب) الذي حدث منذ فترة.

 

يجب أن نُوقف هذه الاستراتيجية الهمجية التي نتبعها مع المعتقلين، هذا ليس خيارا، إن لم نتوقف عن معاملة المعتقلين على أنهم مجرمون فسيتحولون إلى قنابل موقوتة جاهزة للانفجار في أي وقت.. يجب أن يكون السجن مكانا يعاد فيه تأهيل ذلك الشخص من جديد إن كان مذنبا، يجب أن يكون مكانا تنزع فيه كل الأفكار العدائية والتكفيرية وليس موطنًا تتوطد فيه هذه الأفكار بالمعاملة الحيوانية الهمجية.