الوجع يقضم ذاكرتنا!

blogs - gaza

ذاك التاريخُ الذي نُعاوده كل عام بالألم، يقضم ذاكرتنا المنهكة بالحروب، ويأكل وجعه أعمارنا، إنه متمرس في الذاكرة، يرتقبُ أي نسيانٍ ليخزه حتى الأعماق، يُعمق فينا مرارة الشوق والانتظار، إنهُ شرخٌ لا يلتئم مع تقادم الأيام، خريفٌ لمن أحبّ، وجنهمٌ لمن اشتاق، هي نكبةٌ لأرواحنا التي أطلت من برعم الصبا حديثاً.
 

27/12/2008 تاريخٌ يضاهي أقرانه بالتنكيل في أعماقنا، أسودٌ لا يُرى فيه إلا الدماء، غربانٌ استوطنتْ سماء قطاع غزة، وسكبت من بوقها أكثر من ألف طنٍ من الحمم التي تشيب الولدان لها، حسبناه من أيام القيامة، إلا أنّنا جوزينا بالفقدِ دونُ حساب، وما أصعبَ ذلك، أن تخرج من سوط الحرب بلا حبيبٍ أو أمٍ وأبٍ وكذلك بلا طفل وزوج، مبتورٌ من كل أمرٍ سوى الألم!
 

أصواتُ الانفجاراتْ تلفنا من كلِ ناحية، أطنانٌ من الركام تتطاير هنا وهناك، الكلُ يصرخ من هول المشهد، جميعنا يستوطن الجهل فيه عما يحدث، يفرّ من أسعفته قدماه الفرار، ويُخلدّ بالنار من خذله قلبه قبل قدماه.

على مقعد الدراسة كُنت أقدمُ أول امتحانات الثانوية النصفية، ولم أكن أعلم أنه سيكون بمثابة أول امتحانٍ لي في الحياة كلّها، لم يكمل قلمي إجابة السؤال الأول، وإذ بنا نُلقى في جهنمِ من غير ميعاد، أصواتُ الانفجاراتْ تلفنا من كلِ ناحية، أطنانٌ من الركام تتطاير هنا وهناك، الكلُ يصرخ من هول المشهد، جميعنا يستوطن الجهل فيه عما يحدث، يفرّ من أسعفته قدماه الفرار، ويُخلدّ بالنار من خذله قلبه قبل قدماه.
 

أسير على غيرِ هدى، أنظر للأمام فأجد الكل يهربُ باتجاهي، وكذلك أناظرُ من هم خلفي فأجدهم يهربون نحوي، لا مفرْ، ركضتُ باتجاه المنزل، والدموع تحرق عينيّ، خفقاتْ القلب لم يعدْ لها قياس، إما الموت وإما الموت، خيارين لم يكن الأمل يتوسطهما، لكنْ رحمة الله ساقتني من غير أن أصاب بأذى إلى بيتي، عبأتُ روحي من أمان أمي أمامي، إنها تقف أمام التلفاز والبكاء قد أحال عينيها إلى جمر، ما الذي يحدث أمي؟! فأجابتني إنها الحرب يا ابنتي!
 

أخبارٌ تتوالى على شاشات التلفزة بقوافلٍ من الشهداء، وجثثٌ مفتتة، وأنفاسٌ تحتضر، كلُ الأماكن مستهدفةٌ، كلُ يتساءل عن حبيبه وقريبه وصاحبه، أُجيبَ البعض بالرحيل وآخرون لم يتضح مصيرهم بعد، وكذا كنا نرقب حال أفراد عائلتنا التي زُف لنا خبر نجاتهم بأعجوبة من طوفان الموت، هدأ ذلك من روعٍ لم يُطل حال سكينته إلا لبعض أيام فقط.

مضتْ الأيام وسكين الحرب لا زال يُعمّق غرسه فينا، مع كلٍ خبرٍ يُقبل نحونا بارتقاء صاحبٍ أو جارٍ وقريب، نشهق في كل مرة، ونعتاد البعدُ في ظروف أصعب من أن تتركنا لنعيش تفاصيله، المذياع لم ينهكه الحديث بتاتاً، فكل ثانية يحمل خبراً أسوأ من الآخر، نناوبُ على النوم لساعاتٍ قليلة، الحقائبُ مجهزة، أرتدي شاشة الصلاة طوال الوقت، خشيةً من حدوث أي مكروه، وننتظرُ أمر الله فينا.
 

جلستُ أمام عتبة البيت، أقرأ كتابي، أحاولُ استرجاع القليل مما فقدته ذاكرتي، وصوتُ الطائرات يعلو رويداً رويداً، لم أحصهم عدداً، فكلما انتهيتُ من واحدة برزت أخرى، لكن القلق كان ينهشني، صليتُ عسى أركنُ للهدوء لحظة، لم أهنأ بلحظتي تلك حتى ملأ الأرجاء صوتُ ضخم جداً، تهشمت النوافذ، وعلت الأصوات، ركضتُ للخارج، أفواجٌ من الجيران تقصدِ مكاناً هناك، إنه بيت خالي، أجلْ، أحاول سؤال كل من عاد، منِ المُستهدف! تخبطتْ الأسماء وبعضهم يحاول إخفاء ذلك عني، وحديث يُرمى منْ غير قصد بوجود أشلاء، ومن يعلم صلتي بذاك البيت ينفي كل ما يُقال!
 

اقتربَ ناحيتي صديقٌ لوالدي، دسّ شيئاً في يدي، استحلفته عمّا رأى، فقال "خيرٌ إن شاء الله، أصحاب البيت في الخارج، المهم لا تقتربي"، لم يصدق قلبي حديثه، وقلبتُ ما بيدي، إنه ألبوم صور لأقربائي، نصفه محترق وما تبقى جُمع إلى يدي، إن كان الألبوم قد احترق فما الذي حدث لأهل البيتْ!

وجدتُ نفسي بعد دقائق قليلة في بيت جدي، الصمتُ يخيم على الوجوه، الكل يجلس وينتظر الخبر، أسأل هذه وتلك، لا إجابة! حتى ظهر في شريطٍ عريض على شاشة الجزيرة "أنباء عن اغتيال وزير الداخلية بقطاع غزة سعيد صيام ونجله شقيقه وعدداً آخر"، وكأن القلب قد شُقّ نصفين، صرخةٌ لم أستطع كتمها، فاضت دموعي، وشعرتُ لأول مرة في حياتي كيف للمرء أن يعاني نزعة الموت وهو مُبصر!
 

إنه ممدُ أمامنا، جثة جامدة، كيف يموت الحب هكذا، احتضنته فلم يشبع قلبي من حبه، التصقتُ به، يسحبوه من أمامي، وأنا التي لا أقوى على رؤيته يختفي هكذا للأبد، صرختُ وارتجيت، بعدها لم أعي تلك اللحظة، لكني ما زلتُ أعي فقط أنّ قلبي قد كسر ولا شيء يجبره سوى اللقاء!
 

بكى الجميع على رمزٍ هو أيقونة الأمان في قطاع غزة، رجلُ الإصلاح الذي حصد أعلى الأصوات في الانتخابات التشريعية، ذاكَ الفاروق الذي لم يرتضي غير الحق في عمله، يكابد الليالي الطويلة لإنجاز عمله، أتفقده مراراً فأجده منهمكاً على كرسيه، يزوره الفجر وهو على هيئته تلك، نسترق اللحظات لنسامره، إلا أنّه يعلمُ يقيناً ما هي الأمانة التي أُثقلت كاهليه به، فيعدنا أن نتحدث سوياً، تمر ليالٍ والنوم لم يزره إلا ساعاتٍ قليلة، ونبقى عالقون باشتياقنا له.
 

لكن أنا لم أفقدْ قريباً، فقدتُ قلباً معطاءً كان يهطل بالحب في كل تفاصيله معي، يتساءل عن كل لحظاتي وآخر إنجازاتي، يُشاطرني أحلامي ويوسع آفاقي، يوقد فيني الحلم والإصرار، يُخبرني أني الأفضل دائماً، يشاكسني فيرزقني الابتسامة، لم يتوانَ لحظة عن مساندة روحي، نشر استشهاده بخبر، لكني في ذاكَ الخبر فقدتُ قلبي معه!
 

هناك قرابة من 1500 عائلة غزّية فقدت روحاً كانتْ سبباً في أملها بالبقاء سعيدة، كلٌ له حكايته، يعيش ألمها حتى اللحظة، سُرقتْ منه البهجة، وقُتلت الأحلام فيه، وتقطعت آمال آخرين.

تؤلمني ذاكرتي كلما طافت بي تلك اللحظات، عندما يأتي إليّ فجراً يوقظني للصلاة، فيزورني الكسل، أجد ألحانه تنساب إلى أذني بلحنه العذب "الصلاة خيرٌ من النوم"، وما أسعدني حينما يمدّ إلينا مائدة الإفطار التي أعدها بيديه لنا، وينادي مراراً كلٌ منا باسمه حتى نجتمع، ما أحزنني على فقد حبيبٍ لقلبي مثله، وما أقسى اللحظات التي تحتاج إليه، فتجد نفسك يتيماً محروماً منه.
 

أجل، فقدتُ أحباباً كانوا مداد الحبّ لروحي، وكذاك هناك قرابة من 1500 عائلة غزّية فقدت روحاً كانتْ سبباً في أملها بالبقاء سعيدة، كلٌ له حكايته، يعيش ألمها حتى اللحظة، سُرقتْ منه البهجة، وقُتلت الأحلام فيه، وتقطعت آمال آخرين، ذاكَ عامُ الحزن الذي غرقنا فيه جميعاً، فلم ننجو منه حتى اليوم..
 

بقعة لا تتجاوز 365 كيلو متراً، إلا أن بكل بيتٍ فيها وطناً من الأوجاع، وفراغاً في كل قلبٍ لمكان إنسان، توالت الحروب عليها، لكن ما زال الوجع الأول ختماً في الذاكرة لا يبرأ.