شعار قسم مدونات

لباس الذل في طليطلة

blogs - Andalos
كنت أتجول معها بين أروقة المتحف الحربي مظهرا غياب المشاعر وعدم الاكتراث لم أشأ أن أخبرها أنني أجر خطاي جرا وكأني أريد أن أمشي للخلف حتى لا أصطدم بروح الماضي التعيس. استغربت ذات يوم حينما علمت أنني لم أدخل قصر الإسكوريال إلا هذا العام أنا المقيم بجواره في مدريد أنا الذي لا يتوقف عن الترحال في ربوع إسبانيا أنا الذي يدون عن الأندلس منذ سنين.

 

لم تكن تعلم أنني صادرت حقي في التعمق في تاريخ الأندلس والتقرب من تفاصيله الأثرية الحية حتى أجنب نفسي انزعاجا ليس له ترياق. كنا نسابق الزمن أنا وزميلتي التي حملت لواء الأندلس بنشاطها المميز لمدة تفوق الخمس سنوات حتى نعثر على ما أردنا رؤيته في المتحف الحربي الذي يتوسط قصر طليطلة الذي تغير شكله منذ فترة حكم المسلمين في الأندلس قبل ألف سنة ولكن لم يتغير اسمه ولا جبروت المكان الذي يقبع فوقه. كنا تائهين بين تفاصيل تاريخ الحرب في أوروبا بين الألبسة العسكرية القديمة والأسلحة المختلفة، بين مجسمات الجيوش عبر مر التاريخ بين ذكريات المجد الإسباني والظلام الأوروبي الذي حملت بصماته آثار الحضارة في أمريكا الجنوبية.

 

بين التيه والتيه وفي غفلة منا كدنا نفقد ما جئنا من أجله قبل أن ننتبه إلى تلك القاعة الصغيرة التي تتضمن ذكرى الحزن ورواية النهاية. جبة من قطيفة آجورية اللون فيها تفاصيل زركشات نباتية تحمل لونا ذهبيا طرزت جوانبها بخيوط الذهب معلقة فوق زوجين من خفاف جلدية بنية اللون أحدهما يبلغ الركبة طولا. طقم لباس يحمل من الأسى والألم المصور ما لا يعلمه إلا من عرف كيف نزع عن صاحبه أبي عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة ربيع سنة 1483 في موقعة اللسانة بعد أن أسر وهو عائد من غزوة متهورة ظنها فوزا فانتهت بخسارة رهنت مصير الحكم الإسلامي في تلك القطعة من المعمورة.

 

أتخيل صاحب ذلك اللباس بخيلائه وكبريائه وقوته وملكه لو علم أنه سيأتي عليه زمن ينشر لباسه لعامة الناس وبسطائهم وهم يسخرون من جزء بائس من تاريخه.

سجن الملك الشاب في قرطبة ولم يطلق سراحه إلا بعد الموافقة على شروط مذلة مهدت الطريق للقشتاليين للقضاء على مملكة غرناطة بعدها بتسعة سنين. أعطاهم ابنه البكر رهينة وتعهد بتحرير مئات الأسرى من النصارى سنويا ودفع جزية ضخمة وتسليم حصون وقرى محورية من مملكته وتآمر مع القشتاليين ضد عمه وضد أندادهم من المناوئين الأندلسيين. كان وقوفي أمام تلك الجبة يرسم أمام عيني لوحات من الذل والهوان وينبش في مقابر ذاكرتي كي يخرج إلى السطح خناجر التاريخ تطعن في إحساسي وتدمي مشاعري.

 

لم يكن ينقص في المشهد إلا سيف الملك الغرناطي الذي سلب منه في الموقعة ولكن الإسبان مميزون في عرض تفاصيل النصر فما أن أشحت ببصري عن الجبة حتى وقعت عيناي على سيفين مبهرين لهما مقبضين من عاج مرصع بالذهب والفضة ينسبان كلاهما للملك أبي عبد الله الصغير.

 

كنت أكبر الله في قرارة نفسي كنت أستغفر كثيرا كنت مسلما تسليما كليا لعظمة الله وجبروته وقدرته على الرفع والخفض كنت أحاول أن أستوعب المنظر كنت أجرب أن أتخيل صاحب ذلك اللباس بخيلائه وكبريائه وقوته وملكه لو علم أنه سيأتي عليه زمن ينشر لباسه لعامة الناس وبسطائهم وهم يسخرون من جزء بائس من تاريخه. كنت خائفا منيبا إلى الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء وكنت نادما على كل لحظة من حياتي صادفتني فيها كبرياء أو تخللت إلى جسدي فيها شهرة.

 

كنت أريد مغادرة المكان بنفس السرعة التي جلبتني إليه حتى أننا لم نعلق كثيرا على ما رأينا بل طفنا في القاعة مرتين أو ثلاثا قبل أن نغادر صامتين وكأن كل الكلام قد قيل في ذلك المشهد. كانت تلك أول زيارة لي للمتحف الحربي بطليطلة ولا أعتقدها تكون الأخيرة فقد قررت أن أواجه فوبيا التاريخ وأن أتخطى آلام الماضي لأن في الحاضر ما هو أوجع وأضر حاضر كان ليكون أفضل لو نبش جميعنا في تفاصيل الماضي وتجرع من كؤوسه حلوها ومرّها.

 

لو علقت صور جبة الملك الغرناطي بتاريخها في كتب المدارس لو وصلت معلومات السقوط وملاحم الانتصار إلى عقول الناشئة وأرواح الأجيال. غادرت المكان وأنا أكتم حرقة الهزيمة التي لم أتسبب ولم أشارك فيها ولكن عارها يلاحقني أنا وكل من يحمل هم التاريخ المتعلق بأمتنا عبر الأعوام والقرون. ليس لي من شيء أروح به على نفسي من وقع الخسارة إلا تعريف الناس بجزء ملموس من تاريخهم يقبع في غرفة باردة فوق أحد تلال إسبانيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.