في مدخل الحمراء كان لقاؤنا

blogs - Andalos

اعتدت أن أزور قصر الحمراء في غرناطة دون ميعاد. ألم يقل نزار قباني "في مدخل الحمراء كان لقاؤنا.. ما أطيب اللقيا بلا ميعاد"؟ وفي كل مرة يتوج مسعاي بالنجاح. أحصل على تذاكر الدخول عند مدخل القصر وفي أسوأ الأحوال لدى إحدى نقاط البيع وسط المدينة ولو بسعر مضاعف. لا يهم، فلا يمكن زيارة غرناطة دون المرور بالحمراء. لكن الحكاية يا صاحبي أن ثمة شعور سيء كان ينتابني في زيارتي الأخيرة. فشهر نوفمبر/تشرين الثاني هو آخر الخريف وأول الشتاء، وتتقهقر معه أعداد السائحين. إلا أنه لحظي العاثر تصادف توقيت زيارتي هذه المرة مع عطلة رسمية امتدت أياما، وتدفقت معها أسراب السائحين. حاولت البحث عبثا عن أي تذكرة لزيارة الحمراء وباءت كل محاولاتي بالفشل.

 

سألت موظف الاستقبال في الفندق عن أي وسيلة لدخول الحمراء، فأنا لا أحتمل تفويت فرصة اللقاء. فأكد لي أن ثمة طريقة وحيدة وغير مضمونة أيضا. في كل يوم تسمح إدارة القصر بدخول عدد محدود ربما مائة شخص من خلال شراء التذاكر عند المدخل، والسبق لمن يأتي أولا. كانت الشمس تشرق نحو الساعة الثامنة، ومعها يفتح القصر أبوابه أمام الزائرين. نصحني موظف الاستقبال بالذهاب والانتظار في تمام الساعة السابعة.

 

لم أكن في الحقيقية أخفي فرحي بهذين الشابيين الوسيمين اللذين تجشما عناء السفر ومشقة الوقوف في هذا الوقت لا من أجل الدخول إلى حانة وإنما لاكتشاف الحمراء للمرة الأولى

ساورني القلق طيلة الليل، فقررت الخروج مبكرا، وفي السادسة صباحا كنت أقف على باب القصر. لا أدري ربما حتى إني صليت الفجر قبل أن يحين موعدها، أليس الله غفورا رحيما؟ وهكذا وجدت نفسي أمام باب القصر في الظلام الدامس، أحمل حقيبتين ثقيلتين على ظهري وكتفي، ويخيم على المكان برد شديد ترتعد معه فرائصي وتصطك أسناني. ومع هذا كان يمكنني أن أحتمل أي شيء في سبيل الدخول، ولكنني فوجئت بعد أن ألفت عيناي الظلام بطابور طويل يتقدمني. ربما استطعت أن أحصي مئة شخص في الظلام، يفترشون الأرض لحجز أماكنهم، وبعضهم بات ليلته في البرد والعراء لضمان مقعده من الحمراء. شباب وفتيات مسنون ومسنات أتوا من كل أصقاع الأرض لرؤية الجميلة. ولا يمكن أن تنظر لهؤلاء إلا بعين الاحترام والتقدير.

 

كنت الأخير في هذا الطابور الطويل حتى جاء من خلفي شاب وفتاة يسألانني بالإسبانية عن شيء ما، فاعتذرت بالإنجليزية وأنا بالكاد أراهما في الظلام. عاود الشاب سؤالي بالإنجليزية: هل هذا هو الطابور الصحيح للحصول على تذكرة الدخول للحمراء؟ فأجبته أنني غير واثق. فقد وجدنا بالصدفة طابورا آخر في الناحية الأخرى تبين لاحقا أنه لاستخدام بطاقة الائتمان عبر مكائن آلية، بينما نقف نحن في طابور الدفع نقدا. انقسم الناس بين هذا الطابور وذاك وساد هرج ومرج في الظلام، وفضلت البقاء في مكاني والدفع بالطريقة التقليدية.

 

وبينما كنت متشائما أقلب احتمالات فشلي في الحصول على التذكرة، تبادلت مع الشاب والفتاة من خلفي بضع كلمات بالإنجليزية، ثم تحولت إلى حوار متقطع كي نقتل الوقت. ما زال أمامنا أكثر من ساعتين في هذا البرد حتى يتقرر مصيرنا. في الأثناء، تفوه الشاب بكلمة عربية، فعاجلته بالسؤال: الأخ عربي؟ قال نعم من وهران. وأنت؟ فأجبت من فلسطين. وهكذا تحول مسار الحوار مع هذين الشابين، وتجولنا في العالم العربي وأحواله من فلسطين إلى الجزائر، تحدثنا عن العرب والأمازيغ، قطعنا التاريخ جيئة وذهابا، من خيبات الماضي الذي نقف على بقاياه في الحمراء إلى هزائم اليوم في الربيع العربي.

 

ربما كنت أشعر بالنعاس ويتملكني الخوف من الإخفاق في الحصول على تذكرة، وفوق ذلك البرد الذي يلسع ظهري كصوت جلاد يصيح بي تقدم وهذا الصف اللعين لا يتحرك لأن البوابة مازالت مغلقة. على أي حال تخلصت من قتامة أفكاري واصطحاب كل مشاكل العالم العربي في رأسي أينما حللت. ولم أكن في الحقيقية أخفي فرحي بهذين الشابيين الوسيمين اللذين تجشما عناء السفر ومشقة الوقوف في هذا الوقت لا من أجل الدخول إلى حانة وإنما لاكتشاف الحمراء للمرة الأولى. يدرس الشاب هندسة الحاسوب وتعلم الإنجليزية عبر اليوتيوب، أما الفتاة فتدرس اللغات في كلية الآداب وتتعلم الإسبانية. وهكذا خففنا من عبء الانتظار، بددنا عتمة الليل بالحديث الشجي حتى طلع النهار.

 

بعد ساعتين ونصف من الانتظار حصلت على التذكرة وكذلك الشابين. فرحة لا توصف دون أن نكترث بمصير من تبقى خلفنا. سألتهما كيف سيعودان إلى فندقهما إلى أن يحين موعد الدخول الساعة الثالثة عصرا؟ فأجابا لا ندري، ربما سيارة أجرة. عرضت عليهما اصطحابهما سيرا على الأقدام في طريق "سري" لا يعرفه كثيرون، يخترق قصر الحمراء، عن يمينه جنة العريف، وهو قصر في طرف الحمراء محفوف بالحدائق والبساتين، وعن الشمال قصر النصريين أو بني نصر. مشينا ننحدر من أعلى الحمراء في طريق متعرج، يرافقه جدول صغير سرعان ما يتركنا في سبيلنا ويختفي كي نواصل وحدنا المسير حتى يفضي بنا الطريق إلى حي البيّازين العربي. ودعتهما هناك وافترقنا دون أن أسألهما عن اسميهما، وشرعت في لوم خجلي.

 

يمنحنا القدر لحظات نادرة مع أناس لا نعرفهم، تتسع أوطاننا معهم. كان الطريق "السري" الذي أستأثره لنفسي مكافأة لهما على الصحبة الجميلة التي منحاها لي. مضيت إلى وسط غرناطة أجول فيها، أسلم على حواريها التي أعرفها وتعرفني، ولا تفارقني صورة الشابين. وقفت أمام "خان الفحم"* ألتقط الصور. وهو فندق كان يقيم فيه التجار والعابرون وبقي على حاله إلى اليوم. وبينما أنا غارق في التصوير، أحسست بأحدهم يربت على كتفي من الخلف. التفت وإذ بهما ذات الشابين: تبادلنا السلام بحرارة وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل. في هذه المرة سألتهما عن اسميهما: مهدي وياسمينة. اسمان من الجنة يليقان بغرناطة، وكأنني أرى علياً ومريمة من رواية ثلاثية غرناطة. زودتهما ببعض النصاح وأشرت عليهما بزيارة بعض الأماكن في غرناطة وافترقنا مرة أخرى ولكن هذه المرة لدي اسمان ووجهان. واصلت رحلتي إلى أن حان وقت دخول الحمراء مع شمس الأصيل. ومن مكان إلى مكان حتى وصلت إلى فناء الريحان، علقت فيه، أطيل المكوث وأتشبث فيه، تتوسطه بركة ماء مكللة بالرياحين، ويحرسه من الجانبين رواقان، وزخارف بديعة ترصع الجدران والأعمدة، يتخللها أبيات الشعر ومحاسن الكلام.

 

وبينما أهيم في فضاء الفناء قاطعني أحدهم من خلفي مرة أخرى. التفت وإذ بخمسة أشخاص: مهدي وياسمينة بصحبة والديهما وأخيهما الصغير. أسرة أنيقة جاءت من وهران الجزائر تتصفح التاريخ وتقف على أعتابه.

 

وهل أجمل من فناء الريحان للقيا والذكرى؟ تبادلنا حديثا قصيرا لكنه محمل بالشجن والحنين العابر للحدود والسدود. زرت الجزائر على عجل عام 2009، ولم يستنّ لي التعطر بروائحها. افترقنا ونحن ممتنين للقدر الجميل الذي جمعنا ثلاث مرات في يوم واحد وفي مكان واحد. أحبك يا غرناطة.. أحبك يا جزائر.

 

___________________________________________

هامش:

*كتبت داليا راشد: خان الفحم في غرناطة Corral" del Carbón" بُنى هذا الفندق في عهد السلطان أبى الحجاج يوسف الأول في عام 1336م، وكان يسمى الفندق الجديد، يقع الفندق جنوب مدينة غرناطة بجوار سوق الحرير أو القيصرية، وكذلك بجوار مسجد غرناطة الجامع وكان بمثابة نزل للتجار، الأدوار الأرضية كانت تستخدم في تخزين البضاعة و لمبيت الدواب، والأدوار العليا لمبيت التجار، أما اسم خان الفحم الذى اشتهر به فربما لأنه كان قد تسمى باسم المهنة التي يعمل بها التجّار الذين كانوا ينزلون به أو لأن السلطات الإسبانية حتى وقت قريب كانت تستخدمه لتخزين الفحم.