كادحون خلف قناع الثراء

blogs - Amman

في رحلة سفري العمانية ما بين الشرقية والغربية، وأثناء وجهةٍ باتجاه مكة مول، والكارفور بجانب المدينة الطبية الأردنية، وبلمح المحال ذات الأسماء الأعجمية في البلد العربية التي فقدت ملامح عروبتها قلباً وقالباً بمناظر بشرها، وبتصميمات أثريائها في مبانيهم، وبمركباتهم الفاخرة التي لا تعطِ لزائرٍ ملامح بطالةٍ ولا صعوبة عيشِ، ولا صدق قولٍ بأزمةٍ تعصف بحال البلاد والعباد.

 

ساعةٌ ونصف من الانتظار بقدوم الحافلة للعودة إلى مجمع رغدان أو المحطة، الرؤية تسودُ تارةً، ويهذي دماغها تارةً أخرى. النساء في تلك المناطق ليس لهيئتهن أي صلةٍ بامرأةٍ عربية عرفت باحتشامها، ولباسها المميز بستره ولو بأدنى درجاته، سراويل جينز ضيقة، كنزات تفصيلية للبدن، ألبسة شفافة تكاد تظهر عري أجسادهن، تبرج وتغنج وتمايل وتقهقه عدا عن التعجرف والخيلاء الزائد عن حدوده من البعض، ورجال يمشون بتفاخرٍ مع زوجاتهم بهذه الهيئة وملامح وجوه بعضهم تسعد أكثر إذا ما أحس بجاذبية عري زوجته للشباب المتعطشة لجسدها أو المنبهرة بتفصيلاتها، ولحمها الطليق.

 

المظاهر الخارجية لا يمكن لها أن تعطي انطباعاً أولياً، فلربما أنغرُ كما ينغرُ الكثيرون برؤية البذخ والهيئة العصرية والمنفتحة لفئات معينة من الناس بناء على الصورة الذهنية التي بنيت عنهم فقط لهيئتهم الخارجية، وما يمكن وصفه هنا بالرؤية الواهمة.

في الجانب المقابل الكثير من الوجوه البائسة العابسة شبابٌ هرمت قبل أوانها تتكئُ على عتبات الحجارة، والأرصفة لعلها احتملت علة حياتها، وفتياتٌ يستعددن للعودة إلى حقيقة واقعهن في عمان الشرقية بعد إنهاء عملهن من مراكز التسوق، والمحال في عمان الغربية بهيئةٍ وبثوبٍ ليس من ثوبهن إنما تماشياً مع برجوازية زبائن عملهن، ليأتي سؤالي أكل هذه المشاهد حقيقية أم زيفٌ برغم الجوع؟

 

في طريق العودة

عادةً في مسار عودتي من عمان الغربية ومشاهداتي للأبنية المتراكمة فوق بعضها البعض في عمان الشرقية تتشكل هيئة المشهد لي مثل الفيلم الذي تنتقل به رجوعاً من العصر الحديث إلى العصر القديم كمرحلةٍ انتقالية من النهضة، والرفاه، والجمال المكاني والبشري إلى الفقر، والتخلف، والاقتتال، والتنازع، وفرض القوة من ضعفاءٍ وبسطاءٍ يمارسون العظمة و"الزعرنة" على أقرنائهم منهم، وفيهم وكل هذا من أجل سعادة، وبقاء غنى الأغنياء لغباء تفكيرهم، وسوء فهمهم لواقعهم.

 

إن جل العاملين في مراكز التسوق، والمحال المتنوعة في عمان الغربية هم من شباب، وفتيات الشرقية حيث تعيش عائلاتهم بأوضاع معيشية سيئة، وما يتقاضونه من أجورٍ لا يصل حتى لمستوى خط الفقر إن كان الأمر ممتثلاً بالإحصاءات، ومعدل خط المعدومين كما أسميهم، ففي الحد الأعلى لا يحصلون على أكثر من 500 دينار أردني شهرياً في أحسنها حال امتلاكهم لخبرةٍ طويلة وبمعدل 12 ساعة عمل لا ثماني ساعات، ومن 250 دينار إلى 300 دينار في أدناها بمعدل ثمان ساعات عمل كمبتدئين، وخذوا على ذلك كم يدفع الواحد فيهم من أجور مواصلاتٍ، ونقلٍ ومصروفٍ شخصي، وماذا سيتبقى مما يتقاضاه ؟!

 

المعدمون يوشون ببعضهم والنتيجة "خاسرون"

يحزنني من خلال تذكري لتجارب فرص العمل التي عملت بها قبل دراسة الإعلام في الضفة الغربية، وكعاطلٍ عن العمل اليوم لم ينل مراده الذي خطط له وما زال يسعى مصراً باتجاهه، أن الكثيرين ممن عملت معهم أو قابلتهم في عمان وضواحيها يحاولون الحفاظ على وظائفهم باستخدام أساليب الوشاية برفاقهم بالعمل، يحاولون رسم صورة سوداء قاتمه عن واقع العمل، يستعينون بالنميمة على أحدهم، يصارعون، ويعتريهم خوفٌ وكأنهم وحوشٌ برية، يعيشون فوبياً بأن أحداً سيخطف أمكنتهم، أو مرتباتهم، وبعد كل هذا يتسببون لأنفسهم بعراكٍ حتمي مع طرفٍ يقع ضحية جشعهم، وسوء نواياهم، والنتيجة أن يتم فصلهم ليكسب صاحب العمل ويحظى باستمرارية ربحه، ويخسروا الفتات الذي كانوا يتقاضونه .

 

سمةُ التصنع والهيئة الخارجية

فخٌ يقع به البسطاء وأصحاب الطبقة المتوسطة في وهمهم بمظاهر الأغنياء، والبرجوازيين، طابعٌ يعتاشه أهلُ عمان منذ فترة طويلة في أبسط أمثلتها بلباسهم بهوس الماركات، والموضات فقط تماشياً معها لا تماشياً معهم، اقتناء الأجهزة الخلوية كلما نزل للسوق جهازٌ جديد ولو اقترضوا النقود للحصول عليها على حساب مأكلهم، ومشربهم، الذهاب للجلوس في المقاهي أو (الكوفي شوب) التي تحمل أسماء معينة حماقة في التباهي بجلوسٍ بهذا أو ذاك ومقدار ما يدفع في جلسة واحدة يساوي أجر عملٍ لثلاثة أيام في أقل تقدير، وأسبوعاً كاملاً عند أحدهم في أعلى تقدير.

 

الخطيبان إبان فترة خطوبتهما مهما حاولا القول بالصدق أو بشفافية لابد للتصنع أن يظهر، وما بعد زواجهما الدليل الأكبر على وجود التصنع، الكادحون أصحاب الأجور المتدنية حين مواجهتهم للأثرياء، وأصحاب الأجور العالية يكابرون، ويتصنعون بقدراتهم المماثلة لهم.

المظاهر الخارجية لا يمكن لها أن تعطي انطباعاً أولياً، فلربما أنغرُ كما ينغرُ الكثيرون برؤية البذخ والهيئة العصرية والمنفتحة لفئات معينة من الناس كما يسمونهم بناء على الصورة الذهنية التي بنيت عنهم فقط لهيئتهم الخارجية، وما يمكن وصفه هنا بالرؤية الواهمة.

 

قد تشاهد راعٍ للغنم أو بائعاً غارقاً بعرقه وبثيابه الرثة وتظن بأنه فقير معدم ويصيبك الحزن عليه، ولو طلب أحداً لهممت بإعطائه النقود، وهذا الراعي أو البائع في الواقع يملك أموالاً، وتجارةً، وحسابات بنكية تضاهي ذاك صاحب السيارة الفارهة أو تلك المتميزة بهيئتها الخارجية من قلت عنهم يلعبون في النقود، وعن الراعي شقيٌ في حياته إذاً المظهر لا قيمة له.

 

لماذا تلبسُ ثوباً غير ثوبك

إن حياة المدن بشكلٍ عام حياةٌ زائفة تلبس معظم أفرادها ثوباً غير ثوبهم، تجبرهم على تحميل أنفسهم حملاً لا طاقة لهم به، كماليات العصر، وهيئات بعض الأعمال، وفرص العمل تجبر الكثيرين على الظهور بطريقةٍ للانسجام مع واقعهم، وطبيعة شغلهم مع علمهم، وأمنيتهم بإسراف المال الذي دفع على هيئتهم، وإطلالتهم لشيءٍ أنفع لاحتياجاتهم، وتطلعاتهم.

 

عيبنا ألا نمتلك الجرأة على الاعتراف بتصنعنا، ومن الكذب أن يقول أحدهم أنني لا أتصنع مطلقاً فلا صحة في ذلك، لا حظوا أنفسكم حينما تذهبون لحفلٍ أو اجتماعاتٍ بفنادق الخمس نجوم كيف هي تصرفاتكم؟ الخطيبان إبان فترة خطوبتهما مهما حاولا القول بالصدق أو بشفافية لابد للتصنع أن يظهر، وما بعد زواجهما الدليل الأكبر على وجود التصنع، الكادحون أصحاب الأجور المتدنية حين مواجهتهم للأثرياء، وأصحاب الأجور العالية يكابرون، ويتصنعون بقدراتهم المماثلة لهم.

 

الكادحون اليوم لم يعودوا كسابقيهم في الزمن الماضي من حيث التعاسة بالهيئة أو بالكد بالتعب والبذل البدني، إنهم اليوم في عالمنا العصري من يشقون أنفسهم عناءً تماشياً مع المظهر العام للتحضر، والكماليات اللانافعة، حارمين في حالاتٍ كثيرة أنفسهم من الأساسيات، والضروريات ليظهروا بمظهرٍ لا يعطي من يعيشون معهم في نفس المحيط أنهم أقل شئناً، وهنا تبقى مسيرتهم في شقاء ليدفعوا الثمن.