السقوط في أفخاخ الاستبداد

Youth carry weapons along a road in al-Rai town, northern Aleppo countryside, Syria December 25, 2016. REUTERS/Khalil Ashawi

"درس من أحداث حلب الأخيرة"
تبرع أنظمة الاستبداد في نصب أفخاخ الفرقة والنزاع في المجتمعات التي تحكمها، وتعمل على جعل شعوبها مجتمعات مقطّعة الأوصال تمسك خيوطها بأيديها من خلال أنظمتها البوليسية والمخابراتية حتى يسهل السيطرة أو الهيمنة عليها، وهذا يُسهّل عليها إعادتها إلى حظيرة الطاعة والعبودية في حالة حصول أيّ نوع من التمرّد أو العصيان أو الثورات.
 

وقد برع نظام الأسد الأب وتابعه الابن بمكر وخبث قل نظيره في التاريخ في نصب مثل هذه الأفخاخ في المجتمع السوري مستفيدًا من البنية التكوينية لهذا المجتمع المتعدد الأعراق والطوائف والديانات والأيديولوجيات، وقد استخدم جميع الأساليب القذرة ليحافظ على بنية هشّة لهذا المجتمع العريق، يمسك بسطوته وقبضته الأمنية عقدها حتى يسهل عليه فكّها واللعب فيها وقت الحاجة.
 

دروس أفخاخ الأنظمة المستبدة في غرس بذور الفرقة والنزاع، وتعميق الشرخ في المجتمع وشق الصفوف أثناء حالات التمرّد والثورات معروف على مدار التاريخ.

وقد تجلّى ذلك بوضوح إبان الثورة السورية، وكيف أنه لعب بالورقة الطائفية منذ البداية، وكذلك كيف عمل على تخويف الأقليات حتى يظهر بمظهر الحامي لها. ومن تجليّات هذه الظاهرة هو الأحداث الأخيرة والمؤلمة في حلب، وعمليات التهجير القسرية التي قام بها مستعينًا بقوى احتلال عالمية، وبإجرام منقطع النظير في التاريخ المعاصر.
 

وقد قام النظام ببعض الاستعراضات الاحتفالية صانعًا لبعضها حينًا، ومستغلًا لاحتفالات رأس السنة حينًا آخر مظهرًا فرحة الحلبيين بعمليات التطهير والتهجير الأخيرة التي اعتبرها انتصارًا وتحريرًا، ولا أدري انتصارًا على من؟ أو تحريرًا ممّن؟ وإنّني لا أنفي هنا أن يكون للنظام أذنابه من عبيد البوط العسكري أو الانتهازيين يستثمرهم في مثل هذه المناسبات ليلمّع صورته، ويظهر التفافًا شعبيًا حوله فهذا طبيعي ومعروف عنه، وكذلك لا أستبعد أن يمارس الضغوط على المستضعفين من الموظفين في مؤسساته الحكومية والأمنية وكذلك عائلات شبيحته ولجانه الشعبية والبعثية ليتمكن من جمع المئات أو الآلاف من الناس ليقوموا بمسيرات مؤيدة له..
 

ولكنّ العجيب هو أنّه رغم كون جميع السوريين يعرفون هذه المسرحيات الهزلية، ومعظمهم ممن شارك فيها في الماضي، ومع ذلك نجد استمرار الاستجابة الانفعالية لمثل هذه الظواهر من خلال إعلان مواقف تعميمية ضدّ كلّ من ما زال يعيش في المناطق الخاضعة تحت سيطرة النظام، وسقوطنا في أفخاخ ترسيخ حالة الفرقة والنزاع، وعدم تعلّم الدروس وأخذ الحذر من الوقوع مرات عديدة في هذه الأفخاخ.
 

إنّ معظم السوريين المهجّرين من أهالي حلب الشرقية أو الغربية، لهم أهالي وأقرباء وأصدقاء ممن ما زالوا يقيمون في حلب الغربية، ونعلم جميعًا أن معظم أهلينا في حلب الغربية تتقطع قلوبهم من الحزن والقهر والألم، وخاصة عندما أتيح لهم مشاهدة الدمار الذي حلّ بالمدينة.
 

مواقفكم أيها الثوار من الأحداث الجارية ستعكس جوهر أخلاقكم، ومدى الطهر أو التلوث بأسوأ سمة خلقية يحملها الإنسان ألا وهي النفاق.

وممّا سيزيد القهر عند أهالي حلب هو رؤيتهم للمجرمين من محتلين أو وافدين جدد يجوسون خلال الديار، وتبقى المسؤولية الكبرى هنا معلقة بأخلاق وسلوك أبناء الثورة السورية من أصحاب حسّ المسؤولية تجاه قضيتهم العادلة ومواقفهم من أهليهم المقيمين في مناطق النظام، وهل ستثبت لهم الأقوال والأفعال والمواقف أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
 

إن دروس أفخاخ الأنظمة المستبدة في غرس بذور الفرقة والنزاع، وتعميق الشرخ في المجتمع وشق الصفوف أثناء حالات التمرّد والثورات معروف على مدار التاريخ، وقد اشتهر به نظام الأسد الأب والابن طيلة 50 عامًا، ويبقى السؤال الأهم من وجهة نظري هو: أما آن الأوان أن نعي درس الأفخاخ هذا حتى لا نقع فيها؟

العدل والتقوى يا ثوارنا عامة، والحلبيين منكم خاصة أهم ما نحتاجه لتوصيف وفهم مظاهر التأييد الجارية في حلب وغيرها، وكيفية التعامل معها. إنّ مواقف المنتسبين للثورة ومن ما يزال يتكلم باسمها من الأحداث الجارية هي الحكم على الوعي وتعلّم الدرس، وعلى مدى الإخلاص للهدى والصواب، والقرب من "اعدلوا هو أقرب للتقوى".
 

إنّ مواقفكم أيها الثوار من الأحداث الجارية ستعكس جوهر أخلاقكم، ومدى الطهر أو التلوث بأسوأ سمة خلقية يحملها الإنسان ألا وهي النفاق، ومدى بعدكم عنه "وإذا خاصم فجر". أيّها الثوار إنّ أهلكم في حلب وغيرها فيهم الخير الكثير، والكثيرون منهم كان بإمكانهم الخروج إلى تركيا أو إلى إحدى الدول الغربية، ولكنهم فضلوا البقاء حتى لا يدعوا البلاد تخلوا من أهلها، ولا يتركوها خاوية للمحتلين والوافدين الجدد.

تعالوا أيّها الأحرار لنحول هزيمتنا في هذه الجولة في حلب إلى محطّة للمراجعة والتقييم والتصحيح والعودة إلى مبادئ الثورة الأولى.

علينا جميعًا أن نتفهم حال أهلنا في حلب وغيرها، وأن نكون عونًا لهم ولا عونًا لشياطين الإنس والجن عليهم، وأن نثمّن لهم ثباتهم في أرض الوطن وعدم تركها للوافدين الجدد من الطائفيين. بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول: إنّ كان الرباط هو مراقبة العدوّ في الثغور المتاخمة للبلاد وحراستها، ألا يمكن اعتبار البقاء في الأرض وعدم مغادرتها ليحلّ العدو فيها نوعًا من أنواع الرباط؟
 

إنّني أعتقد أنّ كلّ شبرٍ في سورية يطأه سوري هو حفظ لها، وتطهير من دنس المحتلين وأذنابهم، وحصانة لانزلاق البلد لما هو أسوأ من التغيير الديموغرافي. ومن وجهة نظري إنّ هذا نوع من أنواع الرباط إن لم يكن أولى في الأهمية. وكم أتمنّى كسوريّ حرّ مريد للخير لكل أبناء بلده أن يسمع صوتي لكلّ الأحرار في بلدي بأن لا يدعوا حفنةً من عبّاد البوط العسكري تُشوّه الحقائق، ولا يتركوا لأصوات نشاز أن تحجب همس القلوب الحرة من وراء الجدر، يكاد العجز والقهر يفتك بها.

وتعالوا أيّها الأحرار لنحول هزيمتنا في هذه الجولة في حلب إلى محطّة للمراجعة والتقييم والتصحيح والعودة إلى مبادئ الثورة الأولى.. تعالوا لنجعل هذه الجولة محطّة عهد نتعاهد فيه على وقف الانحدار نحو السقوط، والوقوف من جديد حاملين دورس وعبر السنوات الست الماضية لنعيدها سيرتها الأولى طاهرة نقية، ثورة عدل وحرية وكرامة وخير لكل السوريين، وضدّ كل شكل من أشكال الظلم والاستبداد والإجرام يطالهم أيًا كان مصدره..