تراتيل الوجع والانكسار..

blogs - الكتابة

ها أنا ذا أقف على ناصية الوجع، ألملم شتاتي، أجمع ما تناثر مني، أمسك بقلمي، فيعصاني ويهرب إلى زاوية الغياب منكمشاً على نفسه، أما الورقات فقد أغراها انكماش قلمي فتكورت معلنة الحداد، تراجعت في معقدي، ورحت أفكر ملياً ماذا عساي أن أكتب؟!، وكَلِمِي على مشانق الواقع معلقٌ مهزومٌ يرتجف، مأسور مكبل، مطرق حزين، يتوارى من الخلق وكأنه سيسأل عن آثم العرب وعارهم أجمعين، يَقْطُرُ خزَيا وعارا.

 

ماذا عساي أن أكتب؟! وبماذا تجدي أحرفي في عصر بات فيه الصوت للمشنقة والمدفع وما عداهم ثرثرة مسروقة من صدر حالم مغيب عن الواقع، تسكره أشعاره، وتربت دموعه على عاره ليهدأ، حالم يمارس خطيئة العزلة عن الواقع باحتراف، يفر بعزلته عن الاعتراف بأنه مهزوم مكبل، غارق في عاره وخزيه.

 

ماذا عساي أن أكتب والعرب تختلف على ركلة وتجتمع على رقصة، تقلقهم امرأة لا تتمتع بكامل حريتها في كشف شعرها وتدخين سيجارة بصحبة صديقها ولا تقلقهم امرأة تغتصب في سوريا ويهان عرضها أمام أهلها في العلن.

ماذا عساي أن أكتب؟! وصوتها المهزوم يشنق نبرتي، وكفها العاجز يكسر محبرتي، يصفعني بشدة، يجرني إلي حلب، لأطلع إلى هوان مسها فأدمي قلبها. ماذا عساي أن أكتب؟! وآخر ما تبقى من طهر العرب يراق دمعاً أحمراً كسوط أقسم أن يكسر من الخزي والعار أفئدة وظهوراً.

 

ماذا عساي أن أكتب وأناته الغائبة تسامرني، وتحت الهدم تأسرني تكبلني، وعلى أبوابك يا حلب تنشق محبرتي وتكسر أقلامي، أنفاسه المأسورة وأنامله الغائبة ترفع شكواه إلي الله «ربي إني مغلوب فانتصر، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وضاقت علينا أنفسنا وأنت العدل الحكم».

 

ماذا عساي أن أكتب وقد خان العرب من قال رسول الله فيها عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال «إني رأيتُ الملائكة في المنامِ أخذوا عمود الكتاب، فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتنُ فإن الإيمان بالشام»، أفيخون العرب من قال فيها رسول الله «إِذَا فسدَ أهلُ الشامِ فَلا خيرَ فِيكُمْ، لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي منصورين، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم حَتَّى تقومَ الساعةُ»، أفيهان أهلها وقد قال فيها رسول الله: «طوبى للشام» قلنا: "لأي ذلك يا رسول الله؟" قال: «لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها».

 

ماذا عساي أن أكتب والعرب تختلف على ركلة وتجتمع على رقصة، تقلقهم امرأة لا تتمتع بكامل حريتها في كشف شعرها وتدخين سيجارة بصحبة صديقها ولا تقلقهم امرأة تغتصب في سوريا ويهان عرضها أمام أهلها في العلن، وثانية تئن جوعاً يعتصرها الفقر، وثالثة يشردها الهدم، ورابعة يمزقها الفقد، وخامسة تموت في رحم الغياب، تلعن عروبة تفترش قاموس الوهم، تحضر بمؤتمراتنا وتغيب بواقعنا الجريح.

 

ها أنا أتكور على نفسي، شفاتي تهمس بتراتيل العفو والغفران، ثمة مذابح تدور بصدري، ثمة كلمات تنتحر على شفتي، ثمة قلم ينكسر وورقة تتكور، جف حلقي، تذكرت عطشى حلب، فاستحت نفسي للماء طلبا، بكيت وهل دمع العيون يجدي، وهل نثر الحروف ينفض عن روحي غبار الخزي والعار، أيتها الأوراق عذراً، لن أصطحب كلماتي إليك هذه الليلة، فالثرثرة في عصر صوته مدفع وكلمته صاروخ محض حماقة وعبث.

 

تراتيل الوجع والانكسار تغافلني إلى صدري، تبث إلي الله أوجاعي وهمومي، تبوح بخطيئتي وإثمي وعاري " ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً".