الوطن من التراب إلى السحاب

blogs- حلب

هل الوطن قيمة اعتبارية أم قيمة مكانية؟ هل هو التراب والهواء والماء أم أنه  الكرامة والإباء؟!
عندما غادر النبي محمد ﷺ مكة إلى المدينة مرغما التفت إلى مكة قائلا “والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" أخرجه الإمام أحمد والترمذي.

ولكنه قدم بعد ذلك إلى المدينة وأنشأ فيها وطنا مكانيا واعتباريا وسكنه حتى مات ﷺ. إذا فوطن الإنسان الحقيقي هو حيث يجد كرامته الاعتبارية ولا قيمة للوطن المكاني عندئذ إذا لم يكن ضامنا وحاميا لهذه الكرامة، ولأجل ذلك كانت حوادث الهجرة (الأولى والثانية للحبشة ثم الهجرة من مكة إلى المدينة).

دعونا ننظر إلى واقع الأمة الأوروبية وكيف تجذر عندها مفهوم الوطن إلى تقنين قيمة الكرامة الإنسانية، وبالمقابل لم تعد للحدود الترابية عندهم تلك القداسة.

دعونا نصطلح على تسمية الوطن الاعتباري بالوطن السماوي الذي يعني قيمة الكرامة. ولا شك أن الوطن المكاني يمثل السياج للوطن الاعتباري، ومن هنا نشأ مفهوم الدفاع عن الأوطان،ومع تطاول العهد انتقل المفهوم من الوطن الاعتباري إلى الوطن المكاني.

ويحدث أن تتناسى الشعوب غير الواعية هذا الفرق فتتمسك بالوطن الترابي وتتناسى الوطن السماوي فتتأصل النزعة العرقية والمناطقية، وحديثا المواطنة أو الجنسية على حساب الكرامة الإنسانية، فتغدو الأوطان لعنة على ساكنيها حيث يندفعون للدفاع عن العنصرية الترابية وهم يحسبون أنهم يدافعون عن الوطن بمفهومه النبيل.

وعلينا أن نفرق بين التعلق الطبيعي بالأرض ونوازع الحنين للديار التي صورها الشاعر بقوله:
"وطني لو شغلت بالخلد عنه.. نازعتني إليه بالخلد نفسي" وبين الوطن السماوي، فنوازع الحنين يمكن التغلب عليها من أجل نوازع الكرامة الإنسانية، والحنين إلى الأرض يمكن التغلب عليها من أجل الحفاظ على العرض والذمار.

وجاء في كتاب هيكل يتذكر/ يوسف العقيد  (ص: 346) "إن فكرة الوطنية لم تنشأ الا بعد الثورة الفرنسية. نحن كنا في إطار الخلافة الاسلامية، وأوروبا كانت في إطار الفكرة المسيحية المقدسة، والإمارات كلها كانت تتبع الباب".

خطورة الإغراق في الوطن الترابي تكمن في تعميق العنصرية والاعتداد الفارغ الذي يولد فرقة نفسية بين أبناء الوطن الاعتباري.

دعونا ننظر إلى واقع الأمة الأوروبية وكيف تجذر عندها مفهوم الوطن إلى تقنين قيمة الكرامة الإنسانية، وبالمقابل لم تعد للحدود الترابية عندهم تلك القداسة، بل انفتحت تلك الحدود وكونت ما يسمى بالاتحاد الأوروبي. بينما يجد العربي المسلم المشقة والعنت إن أراد أن ينتقل من قطر إسلامي إلى آخر!

أولئك غلبوا مفهوم الوطن الاعتباري، ونحن غلبنا مفهوم الوطن الترابي. فهل يمكن أن يأتي اليوم الذي نعود فيه إلى الأصل (الوطن الاعتباري السماوي) كما كان على عهد الخلافة الإسلامية حيث لا حدود ترابية تفصل بين البلدان الإسلامية؟!

خطورة الإغراق في الوطن الترابي تكمن في تعميق العنصرية والاعتداد الفارغ، والذي يولد فرقة نفسية بين أبناء الوطن الاعتباري الواحد، ونعني به أبناء الوطن الإسلامي بكافة دوله الإسلامية.

لذلك لا نستغرب ذلك البرود تجاه قضايا الساكنين في هذا الوطن .. فما يحصل بالعراق وسوريا، ينظر إليه بهذا الاعتبار بأنه قضايا تخص ساكني أولئك الأوطان، ولا تخص ساكني هذا الوطن الإسلامي الكبير.

ويغدو الدفاع عن أهل العراق –مثلا- مجرد عاطفة إسلامية، لا تحمل عمق المسئولية الوطنية الاعتبارية. فكل واحد مشغول بتعميق الحفرة الترابية على حساب الكرامة الإنسانية.