شعار قسم مدونات

الحُريَّةُ تَتَحَطَّمُ عَلى أَبوابِ الجامِعاتِ

blogs - الجامعات

في المَشهَدِ اليومي، تصطفُ آلاتُ النسخِ والطباعةِ وشرائحِ الذاكرةِ والماسحاتِ الضوئيةِ على مقاعدِ المحاضراتِ لتبدأ الأشغال الشاقة على العقلِ الإنساني من نسخٍ وبصمٍ وطبعٍ وحشوٍ ومسحٍ شاملٍ لكلِ مقدّسٍ يُكتبُ على اللوحِ أو يُقرأُ من الكتابِ الأسطوري الخالدِ الذي يمنحُ المُحاضرَ حصانةَ القائدِ الفذِّ، فلا يبقى قولٌ ولا فعلٌ في المكانِ الساكنِ لأحدٍ سواه.
 

إياكم طلبتُنا وإضاعةِ أي سطرٍ، ولا كلمةٍ، ولا حتى رقم الصفحةِ وترتيب الفكرةِ، فهي من المقدّسات، وفي تركها معصية، إن أهملتموها أهملكم القائدُ الآمرُ الناهي الذي يُقلِّبُ مستقبلكم بين يديه وفي ألعابِ أفكاره كيفما شاء، وإن أرادَ صبَّ عليكم جُلَّ غضبهِ، وجعل مستقبلكم مُبهماً تتلقفهُ الأعاصيرُ وتلقي بهِ الريحُ في مكانٍ سحيق!

على كلِّ طالبٍ جامعيٍ من هذه اللحظةِ أن يَلزمَ حُدوده، ويُدرِكَ حَجمَ المهامِ الثقالِ الجِسامِ التي تُثقِلُ كاهِلَ الأستاذِ الجامعي من تحفيظٍ وتلقينٍ وتنسيخٍ وحشوٍ وغسلِ أدمغةٍ ولو بالترهيب والتهديد بالعلامة، فكل ذلك لمصلحتكم! فأنتم من ستحملون الأمانةَ من بعدهِ، وستقومونَ بتلقينِ الأجيالِ القادمةِ كلَّ ما لُقِّنتُم!
 

ألم تَسمَع أيُها العَنيدُ بِقولِ أحمد شوقي: كادَ المُعلِّمُ أن يَكونَ رَسولا؟ يُجيبُ الطالبُ: قَرأُتُ كُل كِتابِك دُكتور ولم أرى ذلِك! في أي صفحةٍ ألقاه؟ سأحفَظهُ عَن ظَهرِ قَلب.

في الوطنِ العربي أجيالٌ تتسابقُ نحو الهاويةِ، كُلها تهوي طوعاً لا كُرهاً. نُكرهُ أنفسنا عل لِبس بنطالٍ مشققٍ مرقعٍ لا يُغطي من أجسادنا سوى اليسير لإنهُ يُمثلُ النموذج الغربي، وتبقى عُقولُنا كما أجسادُنا مكشوفةً لا يُغطيها لِباس! لم نُفكِّر أبداً بأن القضيةَ طردية، وأن رفاهيةَ اللباس تتناسبُ بالغربِ طردياً مع رفاهيةِ الفكرِ. أخذنا لباسهم الكاشف، وتركنا فكرهم الساتر!
 

لم يجد الفكرُ الغربيُّ بُداً من دَحرِ المعتقدِ الذي سادَ في بدايات القرنِ المُنصرمِ والذي كان يُلزِمُ من يَقرأ بِفِكرَةِ من يَكتُب. كان كاتبُ النصِ هو سيدٌ للكتابِ وللأستاذِ وللطلابِ، صفَّد العقولَ كيفما شاء في مشهدٍ دراميٍ ليس عنا بالغريب؛ فبعالمنا العربي نراهُ في صروحِ العلمِ "الشامخةِ" من جامعاتٍ ومعاهد. لقد نالنا من جُرأة رفض التغيير ما هو كثير، فكيف نغيّرُ ما كتبناهُ وحفظناهُ ونشرناهُ ونتاجرُ بهِ لنُفرغَ جيوب الطُلّابِ كما أفرغنا عُقولَهم بعد الفَراغِ مِن إفراغِ عُقولِنا من قَبلهِم.

أَنبحَثُ عن جَديدٍ ونَعود لنكتبَ ونحفظ وننشر من جديد؟ لا وألف كلاَّ! لن نُغيَّر ولو اضطررنا لتجييش الجيوش، وتعيين الجحوش، فَسِرُّنا كطُلابِنا، لا يستحِقُ الحُرية، فهي تعني انكشافَ أمرِنا، وضياعَ مُستقبلنا المهني، وقد تكونُ فضيحةً مزلزلةً، ومكانتنا الاجتماعيةُ لا تسمحُ بذلك! إذاً يجب أن نضرِبَ بيدٍ من حديدٍ على كلِّ طالبٍ يأتي بفكرةٍ من خارج الكتاب، ونعتبرها كُفر، ونعرّيه أمامَ الجماهيرِ لأنهُ خالفَ معتقداتِ الآباءِ والأجدادِ، وكفرَ بالأسياد!

بعدَ النصفِ الثاني من القرنِ العشرين، تَخلَّص العقلُ الغربيُ من كلِ تِلك التُراهات، وجرَّد الكاتِبَ والنص والأستاذ مما أُسنِد إليهم من صلاحياتٍ مشبوهةٍ، وقَلَبَ المُعادلةَ المشينةَ التي تُقاوم التغيير، وأعطى صلاحياتِ التحليلِ والاستنتاجِ والفهمِ والإدراكِ للطالب. أصبح النصُ يحملُ معانٍ جديدةٍ عَديدُها بِعَدَدِ كلِ طالبٍ جديدٍ يقرأُه، ليُصبِحَ الطالبُ هو السيدُ على نَفسِه، ولينالَ حُريَّتَهُ أخيراً. أما في دولَّةِ المُنَظِرين، فإن قُلتَ بغير ما أقول فسأصُبُّ عَليك جُلَّ غَضَبي، وسأرفَعُ صَوتي عليك حتى وإن كُنا في حُرمَةِ صَرحٍ علميٍّ "شامِخ"، كيف لا، وقد كَفَرتَ بِما أُنزِلَ على "العُلَماء".

ألم تَسمَع أيُها العَنيدُ بِقولِ أحمد شوقي: كادَ المُعلِّمُ أن يَكونَ رَسولا؟ يُجيبُ الطالبُ: قَرأُتُ كُل كِتابِك دُكتور ولم أرى ذلِك! في أي صفحةٍ ألقاه؟ سأحفَظهُ عَن ظَهرِ قَلب!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.