كيف يدمّر النظام التعليمي أدمغتنا.. الطعنة الثالثة

blogs - class

هنري مولايسون "Henry Gustave Molaison" أمريكي أصيب بمرض أفقده ذاكرته، والتفاصيل حول هذه الحالة كثيرة ومعقدة، على الأقل بالنسبة لشخص لم يتخصص في الطب مثلي، لكن الذي يهمنا في حديثه أنه وبعد أن تعذب الرجل بسبب الصرع المتكرر والذي يصل أحيانا إلى عشرات المرات في اليوم، لجأ إلى ويليام سكوفيل الطبيب المتخصص في جراحة المخ، وقرر الطبيب أن يزيل  جزءا من دماغه يسمى الحُصين "Hippocampus" ونجحت العملية واستعاد الرجل توازنه، وشفي من الصرع.

عندما تضع الورقة المليئة بالأسئلة أمام الطالب، فأنت تريد أن تعرف ما إذا كان قد حفظ المعلومة، ولا يهمك أن ينتفع بها، وهذه هي مهمة النظام الأكاديمي.

ولكن بعد فترة تبين أن الرجل قد فقد ذاكرته ولم يعد يتذكر ما حدث له في السنوات العشر التي خلت من حياته، ولا يستطيع أن يكتسب ذاكرة جديدة، وعندما سمع بحالته الباحثون الأطباء، أتوا مهرعين إليه وأجروا فيه الكثير من الأبحاث والتجارب، والذي يهمنا هنا هو الاختبار الذي أجرته الدكتورة برندا ميلنر، إذ قدمت له لعبة وشرحت قوانينها في أول الأمر، وبدأ يلعب ويتدرب عليها، ثم أتى في اليوم التالي، وعندما قدمت له اللعبة لم يتعرف إليها بطبيعة الحال، فعادت في شرح قوانينها، واستمروا على هذه الحال أياما كثيرة حتى لاحظت شيئا عجيبا، لاحظت أن الرجل ورغم أنه لا يصنع ذاكرة جديدة، إلا أنه أصبح يتقن اللعبة شيئا فشيئا، ومن خلالها استنتجت الدكتورة أن الذاكرة مقسمة إلى قسمين:
الذاكرة التصريحية: وهي الذاكرة التي تسمح بتذكر الأسماء والتواريخ. 
الذاكرة الإجرائية: وهي التي تسمح بتذكر الحركات التطبيقية.

وانطلاقا من تجربة مولايسون فإن النظام الأكاديمي الحالي يتعامل في الغالب مع الذاكرة التصريحية، أو الذاكرة التي تخول للطالب أن ينقل المعلومات لطالب آخر، فما الفائدة إذن؟!

ما الفائدة في أن يعلّمني أستاذي بأن الفاعل مرفوع، وأقوم أنا بتعليم تلميذي بأن الفاعل مرفوع، ونحن جميعا ننصب الفاعل في كلامنا اليومي "أو ننصب على سيبويه ذات نفسه"؟! وما الغرض من التعليم؟ هل المعلومات في حد ذاتها مقدسة؟!

بمعنى هل عليّ أن أتعلم لمجرد جمع المعلومات، إن كان الجواب نعم فيجب أن ألوم نفسي ولا ألوم النظام الأكاديمي، ولكني أتصور أنه لا فائدة في كوني أحفظ جدول الضرب ولا أعرف ماذا يمكن أن أفعل به، أو أن أحفظ جدول العناصر الكيميائية، ولا أعرف ما هي النتيجة إذا تفاعل الكلور مع الكبريت..

قال لي صديقي لماذا تهاجم النظام الأكاديمي وأنت منتَج من منتجاته، قلت له أهل مكة أدرى بشِعابها، ومن خلال حياتي الأكاديمية وهي تتكون من عمري كله إلا أربع سنوات، في خلالها كنت أحاول أن أجمع المعلومات في رأسي تجميعا، وأن أكدسها تكديسا، فكان هذا هو المطلوب سواء في المدرسة أو الجامعة، فالوقت قليل والاختبار متربص، والمقرر مثقل بالمعلومات، وعلى المدرس أن ينتهي منه، وعلى الطالب أن يبلعه ولو غصّ به..
 

عندما تضع الورقة المليئة بالأسئلة أمام الطالب، فأنت تريد أن تعرف ما إذا كان قد حفظ المعلومة، ولا يهمك أن ينتفع بها، وهذه هي مهمة النظام الأكاديمي، حشو أكبر قدر ممكن من المعلومات في أدمغتنا، ولكن بعد وقت يسير جدا من الاختبار اسأل الطالب نفس السؤال الذي جاوب عنه في الاختبار، واكتشف بنفسك الكارثة..

لا فائدة من علم لا يساهم في حياتنا العملية، ولا فائدة من تنظير لا يساهم في التطبيق، ومن عرف روح العلم لم يصعب عليه نقله للآخرين..

لنسأل أنفسنا كم من المائة هي المعلومات التي نحفظها من خلال دراستنا الابتدائية والاعدادية والثانوية؟!

هل عندنا الجرأة بأن نختبر نفس الاختبارات التي اختبرناها في الثانوية ونأتي بنفس النتيجة التي أتينا بها وإن كانت سيئة؟!

التنظير العلمي والمصطلحات الأكاديمية جوفاء لا فائدة فيها ما لم يتبعه تطبيق عملي دقيق، ولا أدري لماذا يذهب الطالب الجامعي في كلية الزراعة إلى مبنى مليء بالكراسي كل يوم ولا يذهب إلى المزرعة؟!
 

على سبيل المثال النحو، ما الغرض من تعليمه؟! لو سألت هذا معلم النحو سيقول لك أن الغرض من تعليم النحو هو صون اللسان من الأخطاء، وإن كان هذا هو الهدف الأساسي فلماذا لا نأخذ بتجربة الأستاذ الدكتور عبد الله الدنان التي تسعى إلى تعليم اللغة بالفطرة والسليقة، وسبق له أن تحدث عن تجربته ونتائجها المبهرة في محاضرات ودورات، وهي باختصار أن يمارس الطالب الحديث بالعربية الفصيحة بعيدا عن المصطلحات النحوية، ويقوم المشرف عليه بتصحيحه تلقائيا، وبهذا سيصعب على الطالب أن ينطق بالخطأ كونه تعود على ما هو صحيح، أما من يحفظ القواعد والمصطلحات يتكلم بالفصحى كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى..
 

والحديث لا يختصر على النحو إنما العلوم كلها تطبيقية، إذ لا فائدة من علم لا يساهم في حياتنا العملية، ولا فائدة من تنظير لا يساهم في التطبيق، ومن عرف روح العلم لم يصعب عليه نقله للآخرين..