شاهد.. "ما شافش حاجة"!

blogs- الزواري
اعترضتني منذ سنة تقريبا تدوينة على فيسبوك للكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي يقول "نعم وصلنا إلى هنا. لم نعد نتفق على دمعة، أو صداقة أو عداوة أو ماضٍ أو مستقبل أو طريق أو طريقة. تترحم على مرحوم فيشتمك مرحوم آخر وأنت شقيق المرحومين. تحكي عن أحزان بلد عربي فيقال لك لماذا لا تحكي عن أحزان البلد العربي المجاور. اطمئنوا! إنه الحزن مثنى وثلاث ورباع ".

فعلا! فللحزن طاقة غريبة للانتقال بسرعة بين مختلف البقاع في سويعات قليلة كالعدوى، أو فلنقل أن حجمه كبير كبر السماء، ليلفنا ويجمعنا في نفس الثانية، نحن في الحقيقة نرزح جميعا تحت وطأة نفس الألم مع فارق التوقيت في الأزمات.

يترجّل الزواري بصمت شهيدا للقضية وعلى عصر حادت فيه أعين الكثير عنها، ولكن رحيله حزن بطعم الفرح، وكثيرا ما يتماهى الحزن والفرح في هذه المنطقة مؤخرا.

الأسبوع الذي انقضى هو خير مثال، صباحاته حزينة، صباح الخامس عشر من ديسمبر بارد، وكئيب، الشمس من أسباب التفاؤل صباحا، ولكنها تعاني "وعكة روحية" منذ يومين، أصبحت مزاجية بامتياز تختبئ ساعات طوالا بين الغيوم وتطل لحظات لتعود لمخبئها بعجالة. نسيمه "عليلا" بامتياز، بمعنى السقم، ومزاجي المعكّر دون سبب على ما يبدو، والزّكام. فيروز تعدّل مزاجي عادة. زادت الأمر سوءا هذا الصباح:

"عالروزانا عالروزانا كل الهنا فيها… يا رايحين ع حلب حبي معاكم راح"… كنت أتجنب الأخبار التي تعترضني عنوة على صفحات التواصل الاجتماعي، لا مكان في قلبي لوجع آخر، فيروز هي الأخرى ذكرتني عنوة.

الهواء واحد، والشمس واحدة في حلب الواحدة، والأحوال تتغير باستمرار من غرب المدينة إلى شرقها، والآراء من خلفها تتضارب حول العالم. الأشياء التي نراها عن بعد تبدو واضحة للوهلة الأولى:
هنا انتصارات وهناك انكسارات.

الأشياء نفسها نراها عن كثب ستبدو واضحة للوهلة الأولى، وستظل كذلك أبدا، هنا انكسارات أمام الإنسانية وهناك انتصارات أمام الموت. الدم واحد في كل مكان، وغير الدم محدش صادق، الحق مشتت وتائه، ولا يضيع حق وراءه مطالب، لم أعلم ذاك الصباح أن مساء ذات اليوم سيكون حزينا لكنه كان.

مساء، ينبئني شريط الأخبار، وكأن الخبر عابر، باغتيال مهندس وأستاذ جامعيّ بالرصاص أمام منزله في تونس التي اعتادت على ما يبدو مسلسل الاغتيالات، المؤلم للوهلة الأولى أن اغتياله محاولة لإجهاض محاولة هذا البلد للعبور للضفة المضيئة من هذا العالم لأنه كان من الموارد البشرية والأدمغة التي راهنت عليها تونس. ولكن ككل الأشياء التي نراها عن كثب، الألم أعمق: المهندس محمد الزواري يترجّل في مشهد يذكرنا بترجّل المهندس يحيى عياش منذ عشرين سنة بالتمام والكمال من هذا التاريخ.

يترجّل بصمت شهيدا للقضية وعلى عصر حادت فيه أعين الكثير عنها، ولكن رحيله حزن بطعم الفرح، وكثيرا ما يتماهى الحزن والفرح في هذه المنطقة مؤخرا، أمّا الحزن فهو لمضيّه بصمت، وأمّا الفرح فلمضيّه في طريق النضال المقدّس الذي استوحشه شباب تونسيون كثر مضوا، على علم أو على غِرّة، في الطريق الخطأ.

لا داعي للبيانات المتأخرة، هي فاقدة للصلاحية لا محالة كضمائرهم تماما، كولائهم المزعوم لقضايا التحرّر تماما، كلّ شهيد على الأرض يعرّيكم واحدا تلو الآخر.

هذا الشهيد لم يكن التونسيّ الأول الذي مضى في سبيل الإيمان بقضايا التحرّر، إنها قافلة طويلة من المؤمنين بالحرية يكتبون حروف تونس من مجد، كلهم اغتيلوا مرّة برصاص الأيادي المرتعشة، ويُغتالون كل يوم وفي كل مناسبة بجحود الخاسئين. الخاسؤون هم نفسهم الذين يخشون رموزهم ومناضليهم ويتردّدون في إلحاق صفة الشهيد بأسمائهم أحيانا أو يلحقونها أحيانا أخرى حسب توجهاتهم الفكرية، وكأن دم الشهيد يختلف من فكر إلى فكر، والحال أن كل من مات في سبيل إعلاء كلمة الحقّ شهيد.

هؤلاء الذين يستبيحون الدماء التي روت الأرض ويغضون النظر عن عرض هذه الأرض، ويضربون بهيبة دولة يتبجحون بها دوما عرض الحائط، لا داعي للبيانات المتأخرة، هي فاقدة للصلاحية لا محالة كضمائرهم تماما، كولائهم المزعوم لقضايا التحرّر تماما، كلّ شهيد على الأرض يعرّيكم واحدا تلو الآخر، كل شهيد يقشع الضباب عن أعين الحالمين بالحرية ويعلنها ثورة نحو التحرير.

هذا المقال ليس تأبينا للشهداء، ولا قدحا في نضالات من حملتهم الثورات إلى مواقع القرار، هو تدوين للوقائع، قد لا يكون محايدا، ولكني اليوم أبرّئ ذمّتي من الأجيال القادمة، وأدوّن حقيقة أن من تجرّأ إعلاميون على نعته بالإرهابي هو شهيد من شهداء القضية الفلسطينية التونسيين.

أنا، وربّما مثلي كثر، ندوّن لأنّنا شاهدون على هذا على هذا العصر، عصر يلعب فيه الكثير دور الشّاهد اللي ما شافش حاجة باستحقاق. ندوّن، لأنني واحدة من الذين درسوا عن القضية الفلسطينية في منهاج التاريخ التونسي في المدرسة ولم يعلموا عن "ميلود بن نومة" وطائرته الشراعية شيئا، وقد لا تعلم الأجيال القادمة في حصص التاريخ عن "محمد الزواري" وطائرته الأبابيل شيئا.

نحن ندوّن لأجل دماء الذين ينكّسون الحزن كل يوم حيث يمدونا بالانتصارات والفرح ويرحلون راضين وفرحين ولسان حالهم يردّد ما قاله كافكا "لن أسقط في النهاية تحت وطأة الكفاح بل تحت وطأة الفرح".