شعار قسم مدونات

مع المنفلوطي

BLOGS - المنفلوطى

من أين أبدأ كلامي في هذا المقام؟ وكيفَ أعبر عما يتملك جوانِحي ويسيطر على فؤادي من تقدير جَمٍّ أكنه لهذا السَّاحر!، نعم أقول (سَاحرٌ) وأتشبث بوصفي له، إنه ساحر أدبي بامتياز، وماكر محتال أيضا، سحرني بأدبه، مكر بروحي حين قرأت له أول رواية "الفضيلة" فوقعتُ صريعا في حب قلمه، ومحتالٌ لأنه سافر بي بعيدا جدا في أغوار الروح وأعماق الوجدان، ودروب الإنسانية بكل حالاتها، من أسى وحزن وفقد وهجران ويتم وفراق، وحب وسعادة ولقاء وعطف وبِشر وسرور وفرح، كل ذلك وأنا في مكاني مقتفيا أثر قلمه البارع في الوصفِ والبناء والتشخيص والتحليل، بما يؤنسُ الروح ويشحَذ الذهن ويروضُ الفؤاد.

 

لست أشبع أبدا من القراءة لهذا الفذِّ مهما كررتُ وأعدت في رواياته ومقالاته، ففي كل مرة يتراءى لي من المعاني ما لم يبد قبل، وأسبح في فناء الروح أعمق، وأجول في دروب معانيه حائرا هائما.

إن لهذا الرجل علي من الفضل -بعد الله عز وجل- ما ليس لأحد غيره من الكُتاب والأدباء، ففي رياض جمال حروفه فتحتُ عيني على القراءة، عند أول خطوة لي في عشقها، فتعلمتُ منه الحُب والوفاء، والصَّبر والعطاء، وكيف أنبض داخلَ الحزن والشقاء، ثم انتقل لي من أسلوبه -بعد اطلاع واسع- بصيصٌ من نورٍ أثر في تأثيرا بليغا -عاطفة وسلوكا وكتابة- ، فصرت لا أطرب للنص من المنثور إلا ما كان على وِزان قوله ومقاله وحاله، رغم أنه حذرني في مطلع روايته المترجمة "في سبيل التاج"، من أن أتقمَّص أسلوبه أو أحاول نهج سبيله في الكتابة، وهو يعلم عن يقين ألا أحد يستطيعه في مضمار الكتابة والبلاغة والبيان فهو الفارس دون استهان، إذ قال موجها : (فإني لا أحب له ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا مقيدين في الكتابة بطريقتي أو طريقة احد من الكتاب غيري)، ويرمي بذلك إلى سناءِ التميز الذي كثيرا ما كان يدعو له في نصوصه البليغة البالغة.

 

ولست أشبع أبدا من القراءة لهذا الفذِّ مهما كررتُ وأعدت في رواياته ومقالاته، ففي كل مرة يتراءى لي من المعاني ما لم يبد قبل، وأسبح في فناء الروح أعمق، وأجول في دروب معانيه حائرا هائما، ولا أعرف إلى الآن كيف اهتديت إليه وإلى مؤلفاته؟، أو من ذا الذي أكرمني بكل هذا الكرم البالغ فدلني عليه، ولا زالت روحي الآن – وستبقى – تحفظ له كل الود والجميل والتعظيم والتوقير، فهو السيد عندي في هذا المجال دون منازع رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

 

وإني إذ أقول كل هذا الكلام في حقه، وأسطر كل هذه العبارات المحتشمة في وصف القليل مما فعلت بي كتاباته الآسرة، لست مبالغا في ذلك أو مغاليا في قدره ومقداره، أو معطيا له من الحجم أكثر مما يستحق ويحق، فإني أحفظ له عن ظهر قلب ووعي تحذيره من شنيع المبالغات والتحاملات في كل المجالات، إذ قال – فيما تناقله عنه رجال هذا الشأن بعده: (بين الإسراف في المدح والاسراف في الذم تموت الحقيقة موتا لا حياة لها من بعده إلى يوم يبعثون)، فعين الحقيقة ما أصفه فيك سيدي المنفلوطي دون زيادة وأنت أهل.

 

وفي هذه المقالة المعتصرة أشكر له فضله وكرمه علي، وأثني على حروفه الصادقة التي ما رأيت لها شبيها فيما يجود به هذا الزمان، وتقذفه المطابع ودور النشر في كل مكان، فلله ما أعذب أدبه وألذه، وما أدق وصفه ونعته، وما أرق أسلوبه وخطه، فما بين سطر وسطر من قطرات حبره إلا وتعصف بك دمعة حزن أو فرح، وتترقرق في مدمعك خفقة ابتهال وتضرع، لما تجد من بلاغة الوصف وحسن السياق وطرب المقال، فعلى روحه من الرحمن ألف تحية وسلام، فما عرف قدر بنانه فيما تخط إلا الكرام ذو الأفهام.

 

وأدعو كل مُحب للأدب شغوف بالقراءة، إلى أن ينهلَ من معين ما أنتج هذا العلَم الهُمام، ففي ذلك من تجلياتِ الرقي والإبداع مالا يسعه مكانٌ إلا ذاك المَكان!