في الحكاية: على قيد الإنسانية

blogs - human
يدلك جنبات بطنه والدماء التي كانت تنساب من فمه لم تكن طبيعية، حتى أنه حينما يسعُل تعقبها تلك الصرخة كأنه سيتحول لكائن غير آدمي، بادرت صديقي الثاني بالسؤال عما إذا كان قد أكل طعاما ساما، بالرغم أنه رد بالنفي لم تقنعني إجابته، فما فكرت غير أنه ليس وقتا للجدال، فهمَمتُ حاملا إياه خارج الكوخ الذي أخذ مكانا بين مراكب الصيد على مقربة من عربدة الموج الهائج>

فتلك الليلة لا خلاص من وجهة غير المَشفى الذي يبعد عشرات الكيلومترات، متى وكيف نصل؟ هو السؤال الذي لم أكن أرغب في سماعه تلك اللحظة بالذات، فكل ما أتذكر أنني حملت المريض فوق ظهري راكضاً ورمال الشاطئ تلتهم رجلاي، وعيناي ترقبان أضواء تراقصت فوق الطريق الوطنية من بعيد في حلكة ليل دامس.

كثيرة هي الأسئلة التي لم أتقبلها غير النوع الفجائي وإن كنت أعترف أني مخطئ في بعض قراراتي، لكن الدافع الظرفي يكون أحيانا أكثر صلابة من منطق تفكير لحظة أو لحظات ونختار التيهان في الحياة، ولما لا ربما الهروب لمجاورة الشواطئ والمحيطات بعيدا عن نوعية البشر أو الصنف الهدّام إن يصح قولي كتوصيف لذلك، فالدافع النفسي الذي يجعلك تتخذ نمط عيش يجعل حياتك في خطر كذاك، قد لا يكون هروبا من فوضى الغرباء فقط، بل من أكثر الناس دلالة دالة في حياتك نفسها وتلك رواية أخرى بمآسيها.

يُقال أن الزمن يُعلّم الدرس بقسوة ويختبر فينا الكثير ويشيد فينا تجربة حياة ما تزال مستمرة ونحن على قيودها المتلاطمة.

هي أفكار تنكب علي كلما حُشِرت في ضيق المواقف وتزيد الثقل أكثر مما قد أتحمل، فإن جربتها ستعجب لعظمة نفسك التواقة للمزيد من الصبر والتحمل. فزادتني بوزنها كما زادني وزن صديقي الذي مازال يصرخ منذ خروجنا من الكوخ حتى اللحظة التي ألوح طالبا مساعدة من السيارات القادمة من بطن الكثبان عبر طريق الصحراء نحو مدينة الداخلة، فما كان للظرف القاسي سوى أن يلعب معنا لعبته الخبيثة فعم الصمت المكان القاحل، ولم نعد نسمع أنا ورفيقي من حركة سوى أنينا وتنفسا مبعثرا لمريضنا الذي استلقى على الحافة المعبدة وأخذت عيناه مشهد الضرير.

رفعت ناظري فالتقيا بنظرات رفيقي الذي لم يكف من تتبع حركاتي وحملقة دقيقة كمن يشاهد غريبا، فلم أتوانى مباغتا إياه بالسؤال: ما الأمر يا حسين؟ رد قائلا: هل تحدث إليه قبل أيام؟ أجبته: لا ! في الأصل لم أراكما منذ شهرين. فأطبق فمه ولم تفوه بكلمة، واستمرت حملقته المنكسرة مرات ومرات وكأنه يريد مزيدا من الأسئلة لكنه ليس حينا لذلك.

وما هي إلا لحظات حتى سمعنا طقطقة صدر محرك من بعيد، فتوقفت أمامنا تلك العربة الصدئة المتهرئة لـ "بحماد" الصياد، سيارة بالية أتى رذاذ البحر على الجزء السفلي المتآكل منها، خاطبني الشيخ بحشرجة صوته المعتادة كما ألفتها ونحن على ظهر المرفأ، وما إن علِم بالحكاية حتى انبرى مساعداً في حمل المريض إلى وجهتنا، الأمر الذي سَرّع بإنقاذ حياته التي كانت على شفة حفرة حسب تقرير الطبيب الذي أجرى له عملية ترميم معِديّة. فصديقنا أفرط في جرعات مخدر مجهول في اليومين السالفين، أحدثت ثُقباً في معدته كانت سببا في الدماء المنسابة من فمه.

يُقال أن الزمن يُعلّم الدرس بقسوة ويختبر فينا الكثير ويشيد فينا تجربة حياة ما تزال مستمرة ونحن على قيودها المتلاطمة. فبالرغم من أن النسيان يقفل الأبواب فالذكريات تفتح النوافذ ما دمنا بين العابر والوافد، فإن كانت أفعالنا شرا تجعلنا نندم بجرعات التعذيب البطئ لضمائرنا فيما بعد، وإن كانت نخوة وإنسانية وصدق وأمانة فهي العملة النفيسة التي لا تقارن لا بدراهم ولا دنانير..، وذاك ما يظل محفورا بأفكار وصور الذاكرة تكسبنا شيئا من رضى النفس وفخرها، عذابها يتبدى راحة ونذوبها تؤرخ للذكرى، كتلك التي مازِلت أحتفظ بها في أطرافي بما رسمت خشونة شباك البحر وإبَر القدَر ومراكب الصيد.

مرت أكثر من عشر سنوات عن العِبرَة، لكنني مازلت أتذكر تلك المشاهد وأُمعن التفكير في علاقاتي القديمة وأتجول بين الأماكن كلما جالست فناجينَ شُرفاتي، فما أخلص من بين الحِكم ونظيراتها أن الأشياء المادية من أموال وجاه وسلطة تؤكد لي على مر الزمان أنها لا توضع في كفة مع ثقل قطعة واحدة تسمى "الإنسانية"، فما ينقد أو يدفع بنا إلى الإيجابي أناس نصادفهم في الوقت والمكان المحددين يَقلِبون الخطر إلى أمان والضجة إلى سكينة بعملة النفوس وهي "الإنسانية"، كُن ما تريد واجمع من الثروة ما شئت، واركب طائرة خاصة وانعم بحياة البذخ، فسقوطك بين أنقاض طائرتك بمنطقة قاحلة تحت رحمة الرُحل لن ينقذك منه جاهك ولا ثرائك غير نُتفة واحدة في قلوب أولئك الملثمين في عرض البرية، عملة ليست لا من ذهب ولا نحاس نلمسها في القلوب دون أن نراها.

هي إجابات أذكرها بتفاصيل كلماتها الأخيرة مَحَت نظرَات السؤال المترددة التي تحوم بخاطر صديقي "حُسين" منذ الفجر حتى نهاية ذلك اليوم المُتعب، لأنني كنت أعلم أنه يتساءل بحملقته ما أنا فاعل لأنقذ شخصا أشهَرَ في وجهي "مُدية" قبل شهرين محاولا طعني بسبب خلاف مادي بسيط لا يتجاوز موضوعه بِضع دريهمات قصد شراء ذات المخدر الذي كاد يودي بحياته ليلتها.

فأصل القصة بعد أن توقفت مراكب الصيد بسبب الأجواء والعواصف، ولم نعد نكسب مالا وذاك مصدر العيش هناك بين حضن الصحراء والبحر، فاشتدت صعوبة الحياة اليومية من دون كسب، يلجأ البحارة لاسترجاع ما أقرضوه لبعضهم في أيام الرخاء لكن بقوة وعجرفة عُسر الفترة والظروف. وذاك ما أشعل خلافا جعلني أغادر الكوخ إلى مناطق شاطئية بعيدة أخرى قبل أن أعود للنجدة.

صحيح جفت المرافئ وأحيانا تغادرنا أيام الرخاء ومعها قد تجف إنسانية البعض. فبالرغم أن شيئا من الزمن قد يعطل الرحلة ويجزم أنها مستحيلة، وشيء من الماضي يقول أنفذ بجلدك، فشيء من طموح نفسك يقول هناك ألف طريق.

لكن ختام حديثي لصديقي "حسين" آنذاك كان واضحا وصريحا لا زلت أحمل منه الشيء الكثير "الإنسانية.. إياك أن تجف منها ولو على إيقاع نبضاتك الأخيرة.."