وقفاتٌ مفاهيمية

إن التمعن في أحوال الدنيا وتقلباتها يدخلك في إعادة تعريف لكثير من المفاهيم الوجودية، فالإنسان بطبيعته يميل دائماً للأفضل –من وجهة نظره- ، وإن سرح بتفكيره دون محاولة فهم الحكمة الإلهية من وجوده وحاله، فإنه حتماً سينتهي إلى اللاقناعة وقناعة اللاجدوى.

أنت الآن في مكانك، اسأل نفسك: هل أنت راضٍ بحالك؟ وإلى من تعزو رضاك أو عدمه؟ إن كنت راضياً فهل تستطيع نسبة ذلك لنفسك؟ وهل ترى أن الآخرين حولك ليسو راضين لأنهم لم يسلكوا مسلكك؟ أي هل تعمم أسباب نجاحك أنها هي الأسباب الوحيدة التي إن اتبعها غيرك لنجحوا كما أنت؟ وإن كنت ساخطاً فهل على قدرك أم على تقصيرك؟ فإن كان على تقصيرك فإن الندم لا ينفع لأنك ابن اليوم وبإمكانك تماماً تحويل السخط إلى سعي، وإن كان على قدرك فالأجدر مراجعة إيمانك.

إن ترسيخ الإيمان بمفهومه الحقيقي أمر عظيم ليس بالسهل المطلق ولا بالصعب العسير، ولكنه يحتاج قلباً يصارع قفله وعقلاً يستلهم رشده وروحاً تستقين، فإن توافرت هذه مجتمعة أقبل الإنسان على ربه مستهدياً راجياً، متحرراً مما وجد عليه آباءه، فإذا ألقى الله برحمته الإيمان في قلبه، هانت عليه أمور الدنيا جميعها وسعى فيها راجيأ خيرها مدركاً بكل حواسه أن الآخرة هي الأبقى، فإذ بجوارحه كلها تنطق بالإيمان، فكما يقول شيخ الإسلام في وصف الإيمان وتطبيقه: "العلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم "

ما أحوج الأمة إلى عباد صالحين يؤمنون حق الإيمان قولاً وفعلاً، يسيرون لا يرجون إلا الله، ويكدّون قاصدين رفعة أمتهم، وهل ترتفع أمة وترقى إلا بهمم أبنائها مجتمعين؟

وحلاوة الإيمان تضمن لصاحبها الرضا، والرضا مصدر الطمأنينة اللامنتهية التي تمحو من الذهن كل ندم وسخط، وهو تذكير متجدد للإنسان بأن الله قد وضعك في مكانك لأنه خير لك من غيره، وغيرك خير له أنه في مكان غير مكانك، فترى الشيخ يلقي خطبته بإحسان لأنه وجد مكانه، وترى التاجر يبيع بضمير لأن الله ألهمه، والمعلم والطبيب وعامل النظافة وربة البيت… ، وأنت، ما عليه أنت اليوم هو اختيار الله لك فهلا ابتعدت عن ال"لو"؟ وهلّا أكملت السير في طريقك ورجوت الله أن يستخدمك فيه دون النظر إلى الخلف أو الجوانب! وهل أعدت النظر في مفهوم التكامل؟ أن الله لو أراد لوضعنا في أعلى مكانة في الدنيا ولرزقنا جميعنا ما نرغب من المتاع! ولكن هل ستصلح الحياة؟ فأنت إذن في عبادة إذا أحسنت فيما بين يديك مهما كان، وهل خُلقنا نحن إلا لنعبد؟ ومن قال أن العبادة محصورة في أمر عن الآخر؟ ألم يقل حبيبنا: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"؟!

إن مفهوم الرضا لا يتوقف عند الحالة الراهنة ولا يعارض مفهوم السعي أو الطموح بأي شكل من الأشكال، فرضاك يستلزم العمل الدؤوب مستخدما ما سخره الله لك حتى تصل إلى النفع، وفي طريقك هذه ستجد عقبات كثيرة هي سنة من سنن الله في كونه، ولا يعين عليها إلا الرضا، فإذا توفاك الله قبل الوصول فهذا قضاؤه، أما أنت فكنت في الطريق السوي وستحاسَب على نيتك قياسا على قوله -صلى الله عليه وسلم-: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".

كما أن رضاك الحقيقي وقناعتك بما أنت عليه في نفسك وأهلك يجنبك أن تلقي بالمقارنة على من حولك، فتبتعد عن أسلوب التعميم في وصفك وتكتفي بالنظر في حالك ومراجعتها وتقويمها على أسس الإيمان الذي رسخته في قلبك، وفي هذا خيرعظيم يجعلك تتقبل الآخر بأفكاره وتسمع منه وتسدي إليه وتنصره ظالماً أو مظلوماً بالمعنى الصحيح لذلك.

إن ترسيخ هذه المفاهيم يحمي قلب المسلم من اليأس والعجز، ويزيده إدراكاً لحكمة الله في قضائه، فينعكس هذا كله على حياته وينطلق بإيجابية رغم كل الظروف المحيطة سواء الشخصية أو العامة التي تستهدف الأمة، وما أحوج الأمة إلى عباد صالحين يؤمنون حق الإيمان قولاً وفعلاً، يسيرون لا يرجون إلا الله، ويكدّون قاصدين رفعة أمتهم، وهل ترتفع أمة وترقى إلا بهمم أبنائها مجتمعين؟

خلاصة القول إن وجودك في مكانك الآن بعدما سعيت للوصول إليه لا يستجدي منك إلا الشكر والثبات، فأنت لم تكن إلا لأن الله أراد لك، وهو لم يرد إلا لأن ما أراده خيرٌ، وهذا لا يتعارض أبدا مع الاستمرار في طريقك ساعيا للأفضل، فإذا تقدمت شكرت وإن لم تصل فلحكمة تجهلها، كما أنه لا يضعك في موقع قضاء وحكم فتستصغر هذا وتلوم ذاك وتعتب على فلان حاله وأنك أفضل منه، فالله هو الميسر والمسير لأمور العباد، وما أنت إلا مستخلف بالطاقة التي أُعطيتها لتستخدمها في الخير مستهدياً هاديك، وإن كان لا بد مقاضاة، فهي مقاضاة نفسك ومراجعتها لتصحيح مسارك وتقويم اعوجاجك، فكلنا بشر خطاؤون، وخيرنا التوابون. وما أحوجنا في كل لحظاتنا، أخص العصيبة منها، أن نجد قلوبنا مسلمة بأمر الله مؤمنة بعدله، وهي مشاعر تحتاج كثيراً من التربية والتهذيب، والله المستعان.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يقدم الشاعر الألماني فولكر براون نموذجا متفردا لمبدع عايش تحولات درامية كثيرة للبشرية منذ منتصف القرن العشرين، لكنه يظل ممسكا بجمرة الانتماء إلى مدار الإيمان بالإنسانية كأفق للتجربة الشعرية.

يتراجع الإيمان بالحكم الدولي والعولمة الاقتصادية في أنحاء الغرب، وكما أظهر فوز دونالد ترمب في انتخابات الرئاسة الأميركية يوجد هناك زيادة في رفض الناخبين للانفتاح، يحركهم شعور بالظلم وعدم المساواة.

الأكثر قراءة