لا تمُتْ دون أن تعرف الله

عندما كنت أصغر لم أكن أفكر كثيراً في الموت بالصورة التي نتعلمها لاحقاً بعد أن ندخل المدارس أو نتابع التلفاز أو غير ذلك، أعتقد أنني كثيراً ما رددت -كما ردد غيري الكثير من الأطفال- أنه سيكون من الأفضل لو أنني أموت الآن وأذهب إلى الجنة وأصبح عصفورة.

 

كانوا يقولون لنا بأن الأطفال عندما يموتون يتحولون إلى عصافير الجنة -لاحقاً كرهت هذا الاسم المركب بسبب تلك المحطة التلفزيونية التي واظبت أختاي الصغيرتان على مشاهدتها ليل نهار! -. كنت أعتقد أنه من الجيد أن أكون عصفورة في الجنة، ثم أجلس وحدي وأفكر: ولكنني لن أكون طفلة كما أنا الآن وأستمتع بكل الأشياء التي أسمع عنها، لن أستطيع تناول الحلوى ولا شرب الكثير من العصير ولا الحصول على كل المصاصات التي أريدها، لأنني سأكون عصفورة تطير فقط وتأكل الحبوب، كان تفكري تجريدياً فظيعاً! أتأمل الآن وأقول في نفسي كيف جاء كل ذلك الإيمان بالجنة إلى حد تمني الموت ثم في المقابل لم يكن وجود الله حاضراً لدرجة أنني خفت أن الجنة لن تعجبني كثيراً!

 

أعتقد أن جزءًا كبيراً من السبب يعود إلى أن أول ما عرفه الطفل عن الإيمان هو أنه إن أخطأ سيذهب إلى النار "خبط لزق"، وإن أحسن التصرف سيدخل الجنة على أجنحة الملائكة. لا أحد يحدثنا عن الله ونحن صغار، لا يقولون بأن الصلاة هي حوار معه، بل يخبروننا بأننا إن لم نصلِ سندخل النار، وإن لم "نسمع الكلام" سندخل النار، وإن كذبنا سندخل النار، الآن وأنا أكتب ألاحظ أن المرات المعدودة التي تُذكر فيها الجنة تكون في حال موتنا أطفالاً! ويالها من طريقة مبهجة للذهاب إلى الجنة!

 

بعضنا قد يعيش ويموت دون أن يعرف الله، حتى وإن صلّى وصام وقام بكل ما عليه القيام به من طقوس، يموت دون أن يعرف الله في أكلة شهية أكلها بعد فترة طويلة من اشتهائها، ودون أن يعرف الله في حب استثنائي كان سيخسره لولا توفيق عجيب لا يد له فيه، في شربة ماء بارد بعد يوم شاق، في ساعة من اليوم يقضيها هانئاً مرتاح البال في بيته الدافئ ومقعده الوثير وبجانبه فنجان الشاي وقطعة من الحلوى. نحن لا نعرف الله إلا في النوازل والمآسي، ولا نراه إلا في كل ما يصيبنا من محن، وكأننا مازلنا نكرر نفس العبارات التي نسمعها ونحن صغار.

 

جعلونا نحس أن الله فوق رؤوسنا يتتبع أخطاءنا ويسجل لنا الملاحظات حول مدى جودة أدائنا، لقد اختزلوه في قائمة من الأعمال اليومية التي تلغيها من على لائحة واجباتك تباعاً

لم أكن أفكر كثيرًا في الموت عندما كنت طفلة، ولما دخلت تلك الفترة التي يسمونها مراهقة ويطلقون علينا فيها أشنع الأوصاف لا لشيء إلا لأن طعبيتنا البيولوجية بهرموناتها تثير فوضى عارمة يسيئون هم التصرف معها فنتحول إلى أبناء وبنات عاقين.. ماذا كنت أقول؟ آه نعم، في تلك المسماة بالمراهقة ولأننا نتصور أنفسنا شياطينًا كنا نخاف الموت حتى لا ندخل النار، لأننا بطبيعة الحال كنا متأكدين من هذه الحقيقة.

 

ثم في الجامعة أصبح الموت أقل خطراً، أعتقد أنني بدأت أرى فيه بداية ولم يعد نهاية كما كان في السابق، وإن كانت تلك البداية بعد غير محددة الملامح، في العشرين تقريباً بدأَت أفكار الفناء، والحياة التي لا معنى لها تداعى إلى خاطري، وأرى في نفسي كائناً لا قيمة له، لم يحقق شيئاً ولو متّ الآن فسوف أقابل الله كما خلقني بل ربما أسوأ! وبدأت أفعوانية جديدة -أفعوانية كلمة توحي لك بأنك مثقف ولكنها في الواقع ليست سوى لعبة من ألعاب مدينة الملاهي التي تعرف غالباً بقطار الموت-  أفعوانية الهبوط والصعود، ففي لحظة أنت إنسان مجتهد وملتزم ومنتج وعلاقتك مع الله جدية وفي تحسن، وفي لحظة أخرى تجد نفسك عالة على مجتمعك وتترسخ في ذهنك أفكار العدمية واللامبالاة فكل شيء إلى زوال وتفقد شيئاً من تلك العلاقة الطبية بالربّ وإن كان حاضراً في حياتك طوال الوقت ولكنك تعرف أن هنالك خطباً ما.

 

ثم الآن بعد كلّ ما مرّ به هذا الجيل من فظاعات لا تتناسب والشعارات التي يرفعها قادة البشرية وقوّادوها أصبح سؤال أين الله الذي ينتشر بيننا ملحاً على كثيرين. أعتقد بأن السبب الذي يدفع غالبية الذين يطرحون سؤالاً كهذا سؤالهم أخلاقي بالدرجة الأولى ولكنه للأسف اتخذ منحىً سلبياً. فمن يسأل أين الله بطبيعة الحال يبحث عن أي صورة للعدل تتحقق أمام عينيه، ولكن كما هي حالنا دائما فحن كبشر نفضل القريب المنظور على البعيد الغائب، لذلك كان هذا محط الاختبار.

 

أعتقد أنني أجدّ الله أكثر فأكثر كلما مرّ بي الوقت واختلفت طبيعة الاختبارات التي أخوضها، لذلك فإن الزواج والإنجاب هي في وجهة نظري ليست اختياراً شخصياً منعزلاً عن المجتمع كما أصبحنا نفكر فيه، ولكنه خطوة في طريق تحقق التهذيب النفسي للإنسان إن أحسن فهمها وعرف كيف يتعامل مع تفاصيلها.

 

كل يوم يمر عليّ وأنا ألاحظ عن قرب تكون نفس بشرية من العدم إلى الحياة الكاملة ثم تغير الأفكار والعادات يدفعني أكثر وأكثر باتجاه الله.. مصدر كل شيء ومكوّن كل تفصيلة.. كل يوم يمر بيني وبين زوجي والله بيننا شهيد يأخذ بعقلي وقلبي باتجاهه.. كل عام يمر من هذه الحياة وأنا قادرة على أن أرى سبباً للحياة فوق كل الموت والظلم أجدني أعرف الله أكثر من العام الذي مضى.. لا أعتقد أننا نفقد إيماننا أو أننا يمكن أن نوقن بأنه لا إله في هذا العالم، أعتقد أننا فقط نفقد قدرتنا على رؤيته، تأخذنا غمرة الحياة بعيداً عن وجوده وشيئاً فشيئاً يغيب تماماً من أمام بصائرنا..

 

لقد أخطؤوا كثيراً وجعلونا نحس أن الله فوق رؤوسنا يتتبع أخطاءنا ويسجل لنا الملاحظات حول مدى جودة أدائنا، لقد اختزلوه في قائمة من الأعمال اليومية التي تلغيها من على لائحة واجباتك تباعاً، لقد جلعوا الله قابعاً في خلفية أيامنا، ننجز ما علينا حتى نحس بالراحة لأننا صلينا وصمنا ثم نلتفت إلى جوانب الحياة الأخرى التي لا دخل له فيها. لا نعرف الله فيما نرى من حولنا من بشر ولا فيما نمشي عليه من أرض ولا فيما نتطلع إليه من سماء، نعرف الله فقط في خيوط ملونة على سجادة صلاة، وحبات مسبحة قديمة.

 

لا أعرف متى تحديداً ولكن في وقت من الأوقات لم أعد أفكر في الموت بالقدر الذي أفكر فيما بعده، ولا أعني هنا يوم القيامة أو الحساب، ولكن ذلك الموقف العظيم عندما تلاقي "الله"، وأفكر في احتمالية أنه لن يحدثني غضباً، أو أنني سأدخل الجنة ولكنني لن أتمكن من رؤيته، فتصبح الفكرة خطباً جللاً، ويصيبك ذعر رهيب، وتفقد تركيزك وكأنك سمعت أسوأ ما كنت تخشاه، وتكرر في نفسك: كيف لا أراه؟! وتستعيد شريط حايتك وفجأة تلتفت إلى كل تلك الأمور التي غابت ولم تعرف الله فيها، وحتى المصائب التي تدفعك إلى السقوط راجياً على قدميك، باكياً نائحاً، تعيد: كيف لا أراه؟! وقد فاق وجوده في حياتك كل وجود، وعرفته دون أن تعرفه كما لم تعرف شيئاً في هذا الكون.. تسبح بعدها في حالة من التسليم، من الحزن، ومن الرجاء، أن يا إلهي لا تحرمني كما حرمتُ نفسي.. فلا تمُت دون أن تعرف الله.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلن مصدر أمني أردني انتهاء العملية الأمنية في الكرك جنوبي البلاد، وعودة الأمور إلى طبيعتها، بعد مقتل أربعة من رجال الأمن والدرك وعدد من أفراد المجموعة المسلحة واعتقال آخرين.

الأكثر قراءة