على من "انتصر" الأسد؟

هل فعلا "انتصر" الأسد، كما تقول دعاية النظام السوري ويكرر معها ذلك، بكثير من الغباء العديد من البُلْه ممن يرون في مجرم وقاتل بطلا؟ هل سبق أن سمعتم بـ "رئيس" "ينتصر" على شعبه؟ هل سبق أن رأيتم "رئيسا" يفرح لأنه خرب بلاده وشرد نصف شعبه؟

 

لا أستطيع أن أستوعب كيف يمكن أن يتقبل "رئيس" دولة "سوي عقليا"، التهاني بعد أن دمر مدينة بكاملها وقتل وشرد أهلها من أبناء شعبه، ويخرج من مخبئه ليبارك للشعب الذي قتله وشرده "النصر"!

 

هل يستحق كرسي سلطة تافه كل هذا القدر من التضحيات بالشعب والبلد؟ هل رأيتم كرسي عرش يستوي على جماجم ضحاياه الأبرياء من الأطفال والنساء؟

"النصر" على من؟ على أطفال حلب الجريحة الذين مات نصفهم تحت أطنان القنابل التي دكت المباني حتى أصبحت أثرا بعد عين؟ أم على قوافل النساء النائحات وهن يلطمن الخدود ويشققن الجيوب بحثا عن عزيز دفن حيا تحت ركام الخراب الذي تحدثه براميل البارود؟ أم على صور الأطفال العائدين من الجحيم وعلى وجوههم آثار رماد أسود كثيف وخيوط من الدم المنسدل من رؤوسهم الصغيرة شاهدة على الغدر الذي تعرضوا له وهم نيام يحتضنون لعبهم الصغيرة؟ أم إنه انتصر بإعادة إخراج مشهد قوافل النازحين والمشردين الهائمين على وجوههم في رحلة تيه نحو المجهول؟

 

أحاول أن أتصور كيف احتفل الأسد بـ "بنصره"، وأشعر بالرعب وأنا أضع نفسي مكانه، هل تناول عشاءه على ضوء الشموع وهو يتابع أخبار الدمار القادمة من "جبهة انتصاراته"؟ هل سهر الليل يعد عدد الأبرياء من الأطفال والنساء الذين قتلهم وشردهم ويصدر أوامره لقتل وتشريد المزيد؟ كيف سيشرح لأطفاله "انتصاره" على أطفال في عمرهم قتل آباءهم ورمل أمهاتهم، وشردهم من بيوتهم، ورمى بهم في تيه المنافي البعيدة والباردة والقاسية؟ هل تأمل كيف كان يحدق إليه أطفاله والرعب يسكن عيونهم وهو يحكي لهم عن "نصره" على أطفال في مثل عمرهم؟ هل استيقظ ليلا وخطا حافي القدمين ليتسلل إلى غرفة أطفاله حتى يطمئن بأنهم مازالوا هناك يغطون في نومهم الرغيد؟ آه، لو استطاع أن يتخيل الكوابيس التي تزعج أحلامهم الصغيرة عندما يستعيدون شريط "انتصارات" والدهم على أطفال أصبحوا بلا أباء ولا أمهات وبلا سقف يأويهم ولا لعب يدسوها تحت أغطيتهم وهم الذين باتوا يفترشون الخلاء ويلتحفون العراء!

 

نعم، لقد "انتصر " الأسد عندما طرد الطفلة الصغيرة "بانا العابد" وأمها، وشردهن في التيه والعراء. فما ذنب هذه الطفلة؟ هل ذنبها أنها ظلت هي وأمها تقاومان صواريخ الطائرات والبراميل المتفجرة بتغريدات تغني للحب وتنشد الحياة والأمل؟

 

نعم، لقد "انتصر" الأسد من قبل على الأطفال حمزة الخطيب، وإيلان الكردي، وعمران دقنيش.. وغيرهم الكثير من الأطفال الأبرياء بلا أسماء ولا هويات ولا بيوت ولا قبور.. مجرد أرقام تتداولها المنظمات العالمية وهي تحصي عدد القتلى والجرحى والنازحين والمشردين والمحاصرين والجائعين والخائفين.. تقول الإحصائيات إن عددهم 600 ألف قتيل ويزيد، ونصف الشعب السوري وأكثر من ذلك بكثير أو بقليل.. بات مشردا ولاجئا ونازحا داخل وخارج بلاده بلا سقف ولا مأوى ولا مأكل أو مشرب..

 

هذه هي "انتصارات" الأسد الحقيقية. نعم، لقد "انتصر" الأسد على شعبه، قتل أكثر من نصف مليون وأكثر بكثير من أبنائه، وشرد وهجر نصفه ونيف، وخرب مدن بلاده التي يعود تاريخ بنائها إلى آلاف السنين.. كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل كرسي سلطة تافهة وزائلة، ستزول بزوال الأسد!

 

"انتصار" الأسد على الطفلة "دانا العبد" لن يحجب عن العالم رؤية صور الخراب التي تحدثها براميله المدمرة، ولن يمحوا من ذاكرة الناس كلمات تغريداتها التي ستبقى شاهدة على حجم الجريمة.. قبل أن تشرد "دانا العبد"، قٌتل وشٌرد قبلها آلاف الأطفال، لكن في كل يوم جديد يولد طفل آخر على أرض سوريا سيكون شاهدا على هول المأساة وفظاعة الجريمة.  

 

وبقدر ما لا أستوعب "انتصار" سفاح على ضحاياه من الأطفال والنساء الأبرياء، لا أستطيع أن أفهم تهليل الكثير من المعلقين في العالم الافتراضي بـ "نصر" سفاح قتل الأطفال وذبح النساء وشرد الفقراء من أبناء شعبه.. لا أفهم كيف يمكن لإنسان يحمل الحد الأدنى من قيم الإنسانية، أو على الأقل من بصيرة العقل، أن يقف إلى جانب القاتل وضد الضحية.

 

هل يمكن أن تقولوا لي من أجل ماذا "صمد" الأسد؟ هل "صمد" مدافعا عن مبادئ وقيم تشتركها معه الإنسانية أم فقط "صمد" حفاظا على كرسي سلطة زائفة؟

 

الأسد لن يكون في نهاية المطاف سوى قاتل مجرم سفاح ضمن لائحة رهيبة من القتلة الذين ضحوا بشعوبهم من أجل كراسيهم الزائفة

هل يستحق كرسي سلطة تافه كل هذا القدر من التضحيات بالشعب والبلد؟ هل رأيتم كرسي عرش يستوي على جماجم ضحاياه الأبرياء من الأطفال والنساء؟

 

قبل الأسد، كان هناك المآت من الجبابرة والسفاحين والمجرمين، قتلوا شعوبهم باسم وحدة الوطن وحرية المواطن ونماء البلد وتقدم الإنسان، فأين كل هؤلاء؟ ألا يشهد سجل التاريخ بأن القتلة مهما تجبروا وتعظموا و"انتصروا" سيبقون مجرد قتلة مجرمين سفاحين تنعلهم الأجيال القادمة إلى يوم الدين.

 

تُعلمنا كتب التاريخ اليوم أن كل هؤلاء القتلة الذين عذبوا وسجنوا وقتلوا وأحرقوا الناس من أجل "السلطة" كانوا مرضى عقليين ومجانين. من قيصر روسيا الرهيب "إيفان" الذي لم يسلم من نوبات جنونه حتى ابنه الذي قتله على يده، إلى أمير البلقان "دراكولا" الذي كان يتلذذ بقتل ضحاياه بوضعهم على خوازيق تخترق أجسادهم من تحت حتى تخرج من أعناقهم، وقبلهما "نيرون" وبعدهما "هتلر".. والأسد لن يكون في نهاية المطاف سوى قاتل مجرم سفاح ضمن هذه اللائحة الرهيبة من القتلة الذين ضحوا بشعوبهم من أجل كراسيهم الزائفة.. وقبل أن يتنكر لهم التاريخ الذي لا يجامل تنكر لهم أقرب أقربائهم وأنصارهم.. وهكذا سيكون مصير الأسد مع كل هؤلاء الذين يهللون اليوم بـ "نصره" على شعبه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حظر البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) على النواب العرب زيارة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. يأتي ذلك بعدما مثل النائب العربي باسل غطاس للتحقيق أمام الشرطة بتهمة تهريب هواتف محمولة لأسرى فلسطينيين.

أعلنت الشرطة السويسرية الثلاثاء أن مطلق النار على مصلين في المركز الإسلامي بزيورخ مساء الاثنين، سويسري من أصول غانية ولا صلة له بـ"إسلاميين متشددين"، وقد انتحر بعد الهجوم.

الأكثر قراءة