روسيا تقطف الورد الأحمر!

"لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه" هكذا علمتنا الفيزياء، وهكذا علمتنا قوانين الحياة عموما. ولكي نربط بقضية مقتل السفير الروسي علينا أن نبحث عن الفعل، وعن رد الفعل.. بحسب شبكات التواصل الاجتماعي فإن الفعل هو مقتل السفير الروسي، ورد الفعل هو الاستنكار والتخطيء والتصويب. إلى درجة أن بدأ بعض الفايسبوكيين باستلهام فتاوى من التراث الإسلامي لشرعنة أو دعشنة الفعل، وغيرها من ردود الأفعال الدولية. فهل الأمر حقيقة كما يبدو؟
 

إن الفعل الحقيقي في هذه الحالة هو التدخل الروسي في سوريا، لإبادة الثورة ومعها إبادة الإنسان السوري المعارض. فالفعل هنا هو كم القتل والدمار الذي أحدثته طائرات الروس، وما ضم معه من مآسي إنسانية ليس باستطاعة قلم أن يحيط بها. ورد الفعل هنا على كل هذا الدمار هو مقتل السفير الروسي على يد شاب تركي. ورد رد الفعل هنا؛ هي تلك الردود الدولية والمحلية على رد الفعل الأخير. ولنكن الآن منطقيين ومنصفين لنحلل الأمور بعين بصيرة بعيدا عن التعصب لأي فئة معينة.
 

ألم يكن قتلى حلب من بني البشر ويتمتعون بكل الحقوق الآدمية وعلى رأسها الحق في الحياة؟ أم أن الإنسان الروسي يستحق كل هذه الضجة! وفي المقابل فإن الإنسان السوري لا يستحق حتى مجرد العيش؟

أولا: لا يمكن الحكم على رد الفعل أيا كان؛ دون النظر في أسبابه وظروفه وملابساته التي أحاطت به، أو بالأحرى إرجاعه إلى الفعل الأول الذي كان السبب فيه. وفي هذه الحالة فإن المسبب هو روسيا وليس أطفال حلب، ولذلك على روسيا أن تلوم نفسها وأن تتوعد نفسها بالدمار، وبالضرب بيد من حديد، لا أن تتوعد الإرهاب لأنها هي من صنعت هذا الإرهاب.
 

ثانيا: بالنظر إلى حجم الفعل، الذي هو تدمير وقصف المدنيين في حلب وغيرها من مدن سوريا، فإن رد الفعل هنا لم يكن بالقدر الكافي بحسب القانون الفيزيائي. إنما هو رد فعل لا مجال لمقارنته مع حجم الفعل. إذا اتخذنا من فعل القتل العمد بغير حق مشروع معيارا للحكم على الأفعال؛ فإن عدد شهداء حلب من الأطفال لوحدها؛ قد يساوي عدد الموظفين الروسيين في جميع سفاراتها.
 

ثالثا: بالنظر إلى طريقة القتل في كل من الفعل ورد الفعل. فإنه في الأول كان أشد ترويعا، وأشد بشاعة، لما صاحبه من حرب نفسية، وتجويع وتشريد، وتقطيع للأطراف، وتهديم للبيوت فوق رؤوس ساكنيها … أما في رد الفعل فقد كان القتل رحيما بالمقارنة مع الفعل! إذ كان بضع رصاصات أردت السفير قتيلا.
 

رابعا: وهو سؤال الإنسان في جوهره! ألم يكن قتلى حلب من بني البشر ويتمتعون بكل الحقوق الآدمية وعلى رأسها الحق في الحياة؟ أم أن الإنسان الروسي يستحق كل هذه الضجة! وفي المقابل فإن الإنسان السوري لا يستحق حتى مجرد العيش؟ أليس هذا هو التحيز بعينه؟ أن يقتل عشرات الآلاف في صمت، وأن يقتل الفرد الواحد فتقوم الدنيا ولا تقعد. ذلك هو منطق الأقوياء وذاك هو قانون الغاب. بحيث قيمة الفرد لا تكون نابعة من انتمائه إلى بني البشر، وإنما من انتمائه الحضاري، ومن وضعه الدولي والإقليمي وقدرته على الأخذ بالثأر.
 

بحسب المنطق الروسي، والعين الروسية التي لا ترى إلا مواطنيها ورعاياها. فإن إرهابا خطيرا يستهدف روسيا، ويزعزع أمنها، ويهدد مصالحها ومبعوثيها الدبلوماسيين في الشرق الأوسط. وعلى طريقة الروس في مواجهة الإرهاب فإنها ستشن حربا ضروسا على هذا الإرهاب الذي لن يكون في نظرها سوى أولئك الأطفال السوريين الذين لا حول لهم ولا قوة! وبقدر طلعات الطيران الروسي سينقص الإرهاب بل ربما سيباد هذا الإرهاب.|
 

إن مفهوم الإرهاب من أشد المفاهيم التي لعب بها في تاريخ البشرية. بحيث لا تكاد تجد تعريفا دقيقا له؛ فإذا كان هو ترويع الآمنين وإرغامهم على ما لا يختارون. فإن روسيا تمارس إرهابا ثلاثي الأضلاع. وإذا كان هو القتل اللامشروع فإن روسيا أشد إرهابا من ذلك الشاب التركي الذي لسنا في صدد الدفاع عنه، وإنما نحن في صدد تحليل الأمور، والكشف عن موطن الخلل في الحادثة.
 

إن روسيا أخطأت التقدير في سياساتها الخارجية بتدخلها في سوريا ومؤازرتها لنظام الأسد.. لما خلقته وستخلقه من ردود الأفعال العشوائية.

إن المقياس الذي تقيس به روسيا الإرهاب هو مقياس غير ثابت ولا مطرد، وإنما هو مقياس يتغير بحسب الجهة التي صدر منها الفعل؛ فإن كان نفس الفعل صدر من روسيا فإنه يدخل في دائرة المصالح الاستراتيجية، والتحالفات، والأمن القومي.. وأما إن صدر من الآخر؛ فهو إرهاب ينبغي أن تستنفر كل الجهود والطاقات لمحاربته .
 

إن روسيا أخطأت التقدير في سياساتها الخارجية بتدخلها في سوريا ومؤازرتها لنظام الأسد.. لما خلقته وستخلقه من ردود الأفعال العشوائية، التي لن يكون في مقدورها إجراء عمليات حسابية ولا تكهنات تمكنها من اتقاء شرها ولا التعامل معها إلا بعد فوات الأوان.

فالإرهاب الذي تحاربه روسيا مطاط لدرجة لا يمكن معها توقع تحركاته ولا جهاته. فما الذي يمنع في المستقبل شابا روسيا مسلما من الهجوم على مؤسسات أو شخصيات من داخل الدولة الروسية. تلك هي الحقيقة التي لم تفهمها روسيا ولا الغرب وهي أن الإرهاب لا موطن له، وأن أكبر مصنع لتفريخ الإرهابيين هو التدخل السافر في بلدان الغير. وأن لكن فهل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه..

لعله كان في مخيلة روسيا أنها تلقي ببذور الورد الأحمر على السوريين.. وبهذا تكون روسيا قد بدأت تقطف الورد الذي ألقت ببذوره منذ تدخلها في سوريا ولعل هذه هي الوردة الحمراء الأولى..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تناولت مجلة فورين بوليسي العلاقات الأميركية الروسية، وقالت إن سياسة واشنطن تجاه موسكو قد فشلت، ودعت الإدارة الأميركية القادمة لاتباع إستراتيجية جديدة تجاه روسيا، ووضع الكارثة في حلب نصب أعينها.

الأكثر قراءة