الأُمّة ١٤٠٨

تَغرَق أجيال هذه الأمّة في طبق حساء، كما غرِق أحد قاطني الغرفة ١٤٠٨ للكاتب الأمريكي ستيفن كينج، وكأن هذه الأمّة هي تلكم الغرفة. غرقت من ضِيقِ عَطَن، ومن انعدام جسارة، وفقدان رؤية، بعد أن بذرت الضعف أشتاتاً تحت كل مِحجَن، دون سواعد قوية للصِراب، أو استبدال ما تم كفره بغيره، مما يعود على الأكباد الحارة بالخبز، وعلى السواعد الفاترة بالعزيمة والقوة.

فظللنا طريق المزرعة الأساس، وافتتحنا في نوافذنا مزارع، تحاكي ما سبق آنفاً، وتُساند الضُعف إضعافاً، دونما عنادٍ لهذه الأرض المكممة بالضآلة والضِعة، أو استرشادٍ على وقع الجراد الذي لا يأتي إلا لحصد مزارع الفلاحين الفقراء، الذين لا حول لهم ولا طَول، فتذري بأقواتهم وأقوات عيالهم في الهباء، دون أن يمس رأس دُخنٍ من المزرعة السياسية الأساس، وبتظافرِ الجراد وإقطاعيي تلكم المزرعة يكون القِطاف، الجراد له الزرع، والإقطاعيون لهم رؤوس الزُرّاع المُترَبون من الفلاحين والنساء والأطفال، والنتيجة مخيّبةٌ للجميع ما عدا جراد الساسة في النواحي الأخرى من أرضنا؛ نحن الفلاحون المعدمون والإقطاعيون المجرمون معاً.

 

نطعن الكلمات بحرقة تلتاث في أعماقنا كعمامة، حتى تستحيل كرأس دبوس، ولا نشعر عند طعنها إلا بألمٍ يجتاح روح الكلمة التي في داخلنا، فنسقط على مسمع من الأنين الذي لا يسكت

فمن الخائن؟، كسؤالٍ غبي، أو كلمحةٍ إرهابيةٍ من ملامح الغزل العربي والعالمي، من الخائن؟ ولمَ الغرق؟ في طبق حساء، حتى أوجد ذلكم الطبق أنهاراً من الدماء والماء، المُعبِّران عن الفجيعة والحقيقة في آن، لئلا يطِمّ بحر الحريات والعدل والإنسانية عظام العروبة المصاب بالتكلُس، بينما السماح للمحيطات بما فيها محيط الذل والهوان أن تصل إلى الأذقان، وأن تدُك جدار الشرف وتقتلع الإنسان، أذلك تناقض المرأة الهودج، التي تتقبل التقبيل وتوابعة كأصل ، ولكن على قالب من الغرام السياسي، أما الطريق الأخرى التي تناديها : أيا عاهرة أريد حقي أُسوةً بجاري، فهي تعصم نفسها وتتأبى من أن تقع في هذا الفحش الذي لم تعتد عليه، ثم تتظاهر بالعفاف وتحتجب، وحينها ترسل مغتصبيها ومعافسيها وسمراءها لقمع الأحرار الذين لم يطلبوا على وجه التحقيق سوى عفافها؛ لو فهمت!

 

نطعن الكلمات بحرقة تلتاث في أعماقنا كعمامة، حتى تستحيل كرأس دبوس، ولا نشعر عند طعنها إلا بألمٍ يجتاح روح الكلمة التي في داخلنا، فنسقط على مسمع من الأنين الذي لا يسكت، وفي فمنا كلمة نريد قولها، وجريدة نريد قراءتها، ومضرب عطر نتمنى أن نرشه على قبر، ذلك القبر الذي نراه اليوم شاخصاً على شاشاتٍ بعينها، إنه في طريقه إلينا لا محالة، بل قد نُحرم منه، فالنسور لها سماء، ولا سماء لنا، ولعلنا حين تشدخ الأيام القاسية رؤوسنا سنغبط أولئك الذين شاهدنا قبورهم على الشاشة، ولن تبقى لنا من أمنية سوى قبرٍ ضيق، على أن لا تمزقنا نسور السماء باظافرها ومنقارها الطويل.

 

إن الأشلاء المتطايرة من أطراف جسد هذه الأمّة، والنتوءات البادية على جبينها، جعلتها تتأوّه من الألم، والحزن، والغيظ يملأ حنجرتها، ولكن إن لم تتطبب مما أصابها، وتمنع الصائل الخبيث الذي اغتال فيها ما اغتال، ومزع فيها ما مزع، فهل من البلادة أعزائي البلداء ألا يصاب باقي الجسد.؟

 

إنني لأُنزّه العقل من هذا السؤال كسابقه، إذ من الأكيد أن للبلادة عقل في مستوى سؤالٍ كهذا. إن رأس الأمة لثمِل، يكاد يهوي، وإن كانت الأمخاخ تهوي منه يومياً، كما حصل وفقد الفص الأيسر من الجبهة، ولم يبقى من مجموع الأمخاخ سوى المخ الغرزي الزواحفي القديم، وهو أول الأمخاخ، ذلك المخ الذي يبتسم بداهةً، ويبكي بداهةً، ويصرخ بداهةً، ويصمت بداهة، كحالنا الآن تماماً.

 

ذَكرَ رسول حمزاتوف في كتابه المعروف" داغستان بلدي"، قصةً لثلاثة صيادين يتتبعون ذئباً يختبئ في وادٍ غير بعيد عن القرية، فحين طورد الذئب اندس في مغارةٍ لينجو بنفسه من الصيادين، لم يكن للمغارة تلك سوى مدخل واحد، وكان هذا المدخل ضيقاً جداً لا ينفذ منه إلا الرأس وحده. إختبأ الصيادون وراء صخرة وصوّبوا بنادقهم إلى مدخل المغارة، وأخذوا ينتظرون خروج الذئب منها، ولكن الذئب لم يكن غبيا على ما يبدو، فظل قابعاً بهدوءٍ داخلها، ويعني هذا أن الخاسر سيكون ذلك الذي سيملّ الهدوء والانتظار قبل غيره. وأدرك الملل أحد الصيادين فقرر أن يندس بأي شكل كان في المغارة ويطرد الذئب منها، فاقترب من الكوة ودس رأسه فيها. ظل الصيادان الآخران فترة طويلة، يرقبان زميلهما مستغربين لماذا لا يحاول التقدم أو على الأقل سحب رأسه، وأخيراً ملا الانتظار، فاقتربا منه وهزّاه، فإذا هو من دون رأس.

 

وأخذا يحزران: هل كان لزميلهما الصياد رأس قبل أن يندس في المغارة أم لا؟ أحدهما قال: إنه كان لديه رأس، وقال الثاني: إنه لم يكن له على ما يبدو رأس. حمل الصيادان الجسم من دون رأسٍ إلى القرية، وأخبرا أهلها بما جرى. قال الشيوخ: نظراً لأن الصياد اندس في المغارة قاصداً الذئب، فإنه لم يكن له رأس منذ أمدٍ بعيد، وربما منذ ولادته. وانطلقوا إلى زوجته المترمّلة يستوضحون الأمر. قالت: ومن أين لي أن أعرف إن كان لزوجي رأس. كل ما أذكره هو أنه كان يوصي كل عام على قلبق -غطاء يوضع على الرأس- جديد. 

 

كيف لنا أن نُجسِّر الهوّة، ونحجز عنا المحيطات التي غطتنا، ونحن لم نستطع بعد أن نخرج من طبق حساء، أيُعقل ذلك يا سادة؟، لذلك فإن مسار الاجتثاث آت ٍعلى الجميع دونما مثنوية، والذل والهوان حال، ولا نجاة لنا بتعبير إبن خلدون إلا بوليٍ أو نبي، أما أولئك الطيبون فهم لا يُشنَقون ولا يُغرَقون، إنما يَشنِقون ويُغرِقون، وكلٌ له مهامه، إبتداءً بالميكروفون الذي يسقط مستلقياً من شدة الضحك والبؤس إذا ما التقطه صاحبه، مروراً بالشعارات الرنانة، وانتهاءً بالويسكي والأثداء الكبيرة، ولا يزال الله في انتظار الطيبين الخائنين، ونحن معشر الفلاحين البسطاء سنقف إلى جانب الله، فليس من المُستبعد أن يُلفِّقوا لله تهمةً، كي يسجِنوه، كما أراد حمزة البسيوني من قبل.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة