اغرس فسيلتك في أرض حلب

سقطت بغداد! سقطت حلب!  يسمعها المرء ويقتله الذهول واليأس، أنحن حقاً نعاصر هذه الأحداث المريرة؟

أي لعنةٍ قد وُلدت معنا لنكون جُزءاً من كل هذا، والأسوأ هو كوننا جزء لا حول له ولا قوة، يشاهد تلك الأهوال المُرعبة كما كان يُشاهد الأفلام الوثائقية القديمة عن ممالكنا التي تهاوت في العصور المظلمة، ونقرأ الصحف بأخبارها الصادمة، كما كنا نقرأ عن تاريخ أيامٍ مضت، وكنا نحسبها لا تعود حتى رأينا التاريخ والماضي يتجددان بصورةٍ أقسى وتفاصيلٍ أكثر رعباً وإيلاما.

أذكر في الخامسة من عمري حين كنت أشاهد كل يوم في تمام الثامنة مسلسل قاسم أمين، فإذا بحدثٍ ما يجعلهم يتوقفون عن بثه ويذيعون أخباراً بدت شديدة السوء.

إنني أكتب هذه الكلمات والخوف يذبحني أني من الجيل الذي لن يدركه الثأر، أو لربما الغد! لكنّ جيلاً ما سيفعل، ونحن إما أن نكون عوناً له أو عاراً عليه.

أذكر مشاهد الطائرات، والقتليىوالدماء، تلك التي كبرت معي ورافقت أحلامي السيئة في كل ليلة، حتى تمكنت في سنٍ مبكرة من القراءة عن بغداد عاصمة خلافتنا التي هوت منكسرة في ليلةٍ وضحاها!

ولكنّ عقلي الطفوليّ لم يُدرك أن بغداد ليست ببعيدةٍ عنا، وأنها حين سقطت أسقطت معها شرفَ عروبتنا ومحت عصراً من فخر تاريخنا الذي كنا نتغني به.

والآن وقد أتممنا العشرين نُفجع بسقوط حلب، تلك الجميلة الأبية، تلك التي قد ضمت تاريخاً أعظم من أن تمحوه كل جيوش الأرض. ولكنّ شيئاً ما قد اختلف، فبغداد قد سقطت كما القدس تحت يدِ عدوٍ ظالم، أما حلب فقد دكّها جيشٌ بلسانٍ عربيّ!

أي لعنةٍ تلك قد جعلتنا نعايش كل ذلك الهزل الذي لو كان فصلاً في كتاب تاريخ لاتهمنا مؤلفه بالهذيان والجنون؟! وهل ينبغي للمرء ها هنا أن يحمد الله أنه -وحتي الآن- بعيداً عن تلك العواصم التي تُدك، والمدن التي تحترق، والميادين التي تُذّبح فيها الأطفال وتُغتصب فيها النساء على الملأْ؟

أم يبكي حاله وهو المنفيُّ داخل حدود بلاده التي قد صارت تكرهه، وتدفعه نحو النار شيئاً فشيئا؟ كأنها تُحمّلُنا إثمها وإثمنا وآثام كل بحور الدماء التي أُزهقت ظُلماً وعُدوانا! هل حقاً قد صار مشهد الجثث المُكدسةِ في الشوارع مألوفاً لدينا؟

كيف يُمكن للمرء منا أن يخلد إلى النوم في كل ليلة، ثم يستيقظ بعدها ويذهب إلى عمله، ويستأنف حياته كأن شيئاً لم يكن؟  كيف يمكن للمرء أن يحب ويتغنى بأشعار الغزل، ويتزوج وينجب أطفالاً بالأمل، ثم يزج بهم ليشاركوه نفس اللعنة وهو لا يعلم إن كان يستطيع أن يُبعد عنهم قدراً قد يجعلهم جثثاً مكدسةً في شوارع مدينته المحترقة في يومٍ ما!

" كيف تنظر في عينيّ امرأةٍ أنت تعلم أنك لا تستطيع حمايتها، كيف تُصبح فارسها في الغرام، كيف ترجو غداً لوليدٍ ينام!"

آهٍ لو يعلم أمل دنقل ما قد صرنا إليه، لربما قد طالبنا بوأد أطفالنا قبل أن نلدهم، وبحرق كل دواوين الشعر القديم قبل أن تميل قلوبنا إلي حبٍ بلا وطنٍ يضمه!

في الأمس، كنا نقرأ عن تلك النوائب، وكنا نشاهد الأفلام، تلك التي يظهر فيها البطل المقدام من بين الغيوم، فيُحيل الهزيمة نصراً ساحقاً، ثم ننتشي بالنهاية السعيدة.

اليوم، قد أدركنا كم كانت كاذبة الكتب التي قرأناها والأفلام التي شاهدناها؛ فالخطب أعظم وأفجع، وما من بطلٍ قد سطع في الأفق، فقط هزائم متتالية، وأجيال تجيُ وأخرى يُقضى أجلها دون أن تشهد ثأراً لسابقتها أو لنفسها، فتعيش بالقهر وتموت كمداً.

إنني أكتب هذه الكلمات والخوف يذبحني أني من الجيل الذي لن يدركه الثأر، أو لربما الغد!  لكنّ جيلاً ما سيفعل، ونحن إما أن نكون عوناً له أو عاراً عليه. فلنكن خطواتِ عونٍ لهم، فلنترك لهم حجراً يهديهم أين الطريق، فلنكن صفحاتٍ في تاريخٍ يحبون أن يذكروه، فلنكن سبباً في عدلٍ سيقع بنا أو بدوننا، الآن أو بعد حين.

لربما أولئك الأطفال المساكين الذين سننجبهم هم ذلك الجيش الذي يثأر لجيوش الماضي التي قُهرت، لربما يُولد من بينهم من " يلبس الدرع كاملةً، يوقد النار شاملةً، يطلب الثأر، يستولد الحق، من أضلع المستحيل" -كما تمني أمل دنقل في قصيدته-، ويروي عنه التاريخ يوماً أنّ بطلاً سطع من بين الغيوم قد أحق الله به الحق وأبطل كيدَ الخائنين!

هو ذاك الأمل الذي يُبقينا، يُمسكنا أن نتهاوي، يقيننا أنّ وعد الله حق، وأنّ رجلاً قد صدق الله في سعيه فإن الله يؤيده بنصره ولو بعد حين.

قد يتساءل المرء منا، تماماً كما نفعل، عن نفع الحياة في ظلِ ذلك الظلم المرير، وفوق تلك الأرض التي تضطرب فوق نيرانٍ تتأجج بالغضب وتوشك أن تنفجر فتذهب بأهل الأرض أجمعين!

إنّ طوفاناً سوف يكون، وهم مغشية أعينهم فلا يبصرون، فامض في بناء سفينتك، ولا تخش أن يدركك الموت قبل تمامها، فغيرك يكمل ويتم، والله أعلى وأعلم.

إن كانت حقاً هذه النهاية، الموت برصاصةٍ جبانة، ثم تُدفن أجسادنا تحت الثري، فتباً لكل القيم والمبادئ والأخلاقيات!  لكنّا نؤمن بأنّ إلى السماء مثوانا، إلى الله الحق، حيث كل جبابرة الأرض خاضعة أعناقهم إلى عدل الله وعظيم انتقامه.

كفانا استهانة بتلك الخطوات الصغيرة، لربما هي وحدها غير كافية لكي تغير مسار الكون، ولكننا لا نسير منفردين، إننا نتاج خطواتٍ قد مضت، وتلحقنا خطواتٍ تكمل ما بدأنا.

سيقول السفهاء ما تحسب نفسك فاعلاً، أأنت تحرر القدس، وتنقذ الشام، وتسترد الأندلس، وتفتح اليونان؟! فإنما قولهم كقول قوم نوحٍ واستهزائهم بسفينته!

إنّ طوفاناً سوف يكون، وهم مغشية أعينهم فلا يبصرون، فامض في بناء سفينتك، ولا تخش أن يدركك الموت قبل تمامها، فغيرك يكمل ويتم، والله أعلى وأعلم.

فلنتذكر دوماً قول رسول الله -صلي الله عليه وسلم "إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا"

فإن كنت تحسبنّها بالقيامة فاغرس فسيلتك في أرض حلب، وتوكل علي الله؛ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة