أصل الشبهات وفصلها

قال ابن تيمية: وأما حكم المسلمين في الحدود والحقوق فلا يخفى على عاقل فضله حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشرع المسلمين إذا لم يكن لهم شرع يحكم به الناس.

-قصة افتتاحية:
إذا مر رجل ينتمي إلى بيئة أوروبية تعاقدية تتقلص فيها العلاقات التراحمية على أحد القرى ووجد فلاحا قد دعى بعض المسافرين الذين لم يسبق له معرفتهم للطعام، وسينتهي أمد معرفتهم على أطراف المائدة.. سيتعجب الرجل التعاقدي وسيطرح مستنكرا استفساره عن سبب هذا التصرف الطائش المبذر.

وفي الحقيقة أن منشأ استفسار هذا التعاقدي ليس خللا حقيقيا في هذا التصرف، وإنما هو بسبب المنظومة الفلسفية التي ينتمي لها، والتي لا تستطيع تبرير أي تصرف لا يمكن وزنه أو قياس مردوده المادي.

القيمة الكبرى في النظر الإسلامي هي "حفظ العرض" فليس مسموحا بممارسة الجنس خارج إطار الزواج نظرا لما يترتب عليه من الأضرار الدينية والاجتماعية.

الأصل المعرفي للشبهات حول الإسلام:
هذا بالتحديد ما يمكن قوله عن فلسفة ما يسمى "الشبهات حول الإسلام" وأصلها المعرفي، هو أن من يطرح الشبهة يقف على أرض معرفية وينتمي لمنظومة فلسفية مخالفة لأرض الإسلام ومنظومته، فلا يجد بعض التشريعات الإسلامية مبررة في منظومته الفكرية، فيحسب هذا خللا فيها، دون أن ينتبه إلى قصور زاوية النظر.

ومما استجد أيضا في القرنين الأخيرين أن الانحسار الحضاري والهزيمة ماديا وعلميا أمام الغرب علاوة على الاختراق الثقاقي بالجامعات الأجنبية والإرساليات التبشيرية جعل كثيرا من النُخَب المحلية نفسها -المصنوعة أو المهزومة- لها نفس هذا التكوين الثقافي والنفسي، تنتمي إلى الإسلام اسميا وربما شعائريا ولكنها تنتمي إلى الغرب ثقافيا ومعرفيا، وبالتالي تستشكل من الإسلام ما يستشكله الغربي القح، لماذا: وهذا يفسر لك..

1-لماذا ظل "صحيح البخاري" كتابا معظما تتناوله أعظم العقول بالدراسة وترى فيه ثروة فقهية ومعرفية، في الوقت الذي صار عند الكثيرين من هذه النخب الآن منبع التخلف.

2-لماذا ظلت أكثر التشريعات الإسلامية حول المرأة والحدود وغيرها معمولا بها في جميع الأعصار لا تثير التساؤلات، بل يُرَى فيها كمال الحكمة، حتى جاءت هذه العصور وهاجت رياح التساؤلات.

بالمثال يتضح المقال:
سأختار أحد أكثر التشريعات الإسلامية تعرضا للنقد، بل والتنازل عنها من قبل بعض مفكري الإسلام! والمدافعين عنه، وهو حد الردة.

أصل الشبهة فيه: أن قتل المرتد يتناقض مع حق الإنسان في الفكر وحريته في اختيار عقيدته، ثم قد تتستر هذه الشبهة ببعض النصوص الشرعية، لكن أصل الشبهة ومحتواها هو "حرية العقيدة" مهما تسترت بستار نصوصي زائف.

أنت لو تدبرت في هذا المحتوى تجده مضمونا ليبراليا خالصا قيمته العليا هي "حرية الإنسان" بمعناها الهوائي أي: اتباع ماتهواه نفسه وتختاره، وتعظيم هذه القيمة وتكميلها بحيث تنتقص هي من أي قيمة أخرى أخلاقية أو دينية دون السماح بأن تنتقص منها أي قيمة أخرى، وبالتالي لا يجد هذا الناظر تبريرا للانتقاص من حرية الإنسان بدعوى الدين أو الأخلاق.

في حين أن صاحب المحتوى المعرفي الإسلامي، قيمته العليا هي الدين بمكوناته الاعتقادية والأخلاقية والتعبدية، وحرية الإنسان هي أحد هذه المكونات الأخلاقية التي راعاها الإسلام: حرية العمل والتصرف في المال والحفاظ على الخصوصية وغير ذلك، ولكن هذه القيمة داخل المنظومة الفكرية الإسلامية ليست بالضخامة والتراتبية التي تحتلها في الفكر الليبرالي، بل يسبقها في الترتيب ويكبرها في الحجم قيم أخرى مثل: توحيد الله تعالى وإقامة العبودية له.

فالمسلم الخالص يرى أن هذه هي القيمة الكبرى التي خلق الله لها الخلق وأرسل لها الرسل وأنزل لها الكتب قال تعالى " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ".

لذلك يرى المسلم مبررا بل وحتميا، أن الكفر والارتداد عن الدين أكبر جريمة يمكن أن يرتكبها الإنسان، أكبر من القتل والسرقة، لذلك يستحق فاعلها أكبر العقوبة، وحق المجتمع على الحاكم حمايته من التجاهر بهذه الجريمة وفشوها، كبير وأكبر من حقه في مقاومة الحاكم للسرقة والقتل، لأن قيمة المجتمع العليا هي التوحيد والإيمان، ولأنه يعتقد أن الوظيفة الكبرى للسلطة هي إقامة الدين وحراسته..

مثال آخر:
وإليك مثال أوضح من هذا.. لن تجد عند الليبرالي مانعا من تشديد عقوبة من يغتصب امرأة بغير رضاها، حتى ربما كانت عقوبة الإعدام حينها مبررة عنده، في الوقت الذي يجعل العقوبات المشددة على الزنا في التشريع الإسلامي شبهة تثير التساؤل.

لماذا هذه التفرقة؟ لأنه يعظم الاختيار الشخصي، فإذا أجبرت المرأة على ممارسة الجنس بغير رضاها فهذه جريمة عظمى لا مانع أن تقود فاعلها إلى المشنقة لأنها اعتداء على "الحرية" أو "الاختيار" أما لو فعلت المرأة الفعل نفسه بنفس آثاره الاجتماعية والأخلاقية السيئة بمحض إرادتها فلا تثريب عليها ولا عقوبة.

في حين أن القيمة الكبرى في النظر الإسلامي هي "حفظ العرض" فليس مسموحا بممارسة الجنس خارج إطار الزواج نظرا لما يترتب عليه من الأضرار الدينية والاجتماعية بغض النظر عن وجود الإرادة من عدمها.

لذلك جمهور الفقهاء لم يزيدوا في عقوبة الزاني الذي أكره امرأة على الزنا لأجل الإكراه، وإنما جعلوا هذا الإكراه رافعا للحد عن المكرهة.

فمع كون الإكراه والتعدي على الحرية جريمة لكن هذه الجريمة متأخرة في الترتيب التشريعي الإسلامي، حتى عند التداخل توارت خلف الجريمة الكبرى الأخلاقية والدينية التي هي "الزنا"  فهل رأيت التفاوت الضخم بين التراتبية والمقاصدية الإسلامية ونظيرتها الليبرالية، وعلى هذا فقِسْ:

ولو أعملت هذا النظر لوجدت أن أكثر الشبهات أصلها تشريعات غير مبررة في منظومة فكرية أخرى " الليبرالية في هذا الزمن" ولكنها صارت في هذا الظرف التاريخي غالبة ومسيطرة واستطاعت أن تجعل منظومتها الفكرية هي الأصل الذي يجب أن تمر عليه وتبرر به الأفكار الأخرى.

الروح التي ترى نفسها متربعة على شأن الكمال التشريعي وتنظر باستعلاء والنقد لما عند الغير هي التي كانت سائدة على النخبة المسلمة.
أما في الوقت الذي كانت الثقافة الإسلامية غالبة ومنتصرة لم تكن هذه الأشياء نفسها محل تساؤل لا من المسلمين ولا من غيرهم.

لأن النخب والمثقفين في المجتمع الإسلامي كان مكونهم المعرفي الأكبر مستقى من الوحي الإلهي، وزاوية نظرهم هي المقاصدية الإسلامية بما تحمله من تعظيم للدين والأخلاق وتقديمهم على غيرهم، ومن هذا المنطلق كانوا يرون في التشريعات الإسلامية غاية الكمال وفي تشريعات الأمم الأوروبية حينها غاية النقص.

فانظر مثلا إلى كتاب الإمام القرافي "الأجوبة الفاخرة على الأسئلة الفاجرة" وقد ذكر بعض تشريعات الفرنج، ثم قال: فانظر هذه الأحكام هل تتصور أن تجري بين قوم لهم من العقل شيء؟ ويستمر ذلك مع الأيام؟.

فهذه الروح التي ترى نفسها متربعة على شأن الكمال التشريعي وتنظر باستعلاء والنقد لما عند الغير هي التي كانت سائدة على النخبة المسلمة.

بل من النصوص ما يشير إلى ما كانت تحظى به هذه التشريعات من التوقير والإجلال من سائر الملل
قال ابن تيمية: وأما حكم المسلمين في الحدود والحقوق فلا يخفى على عاقل فضله. حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشرع المسلمين إذا لم يكن لهم شرع يحكم به الناس.من هنا تعرف أصل "الشبهات" وفصلها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ابتكر فريق علمي في تشيلي جلدا صناعيا من الطحالب الدقيقة لديه القدرة على إنتاج الأوكسجين ذاتيا. ويعد أملا جديدا لمن يتعرضون للحروق أو يعانون من التقرحات.

اعتبر الصحفي الفرنسي نيكولا هينان صاحب كتاب "هيثم.. الشباب السوري" أن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية ونظام الرئيس بشار الأسد يتفقون على الهدف نفسه، وهو تدمير من يطرح نفسه بديلا لسوريا.

الأكثر قراءة