من طفلٍ حلبيٍّ لطفلٍ إدلبي.. حٓوِّلْ!

إلى صديقي ورفيقي في العمر والطفولة والبراءة في إدلب، أنا الحلبيُّ من الأرض الصامدة أبعث إليك كلماتي الباكية، تحية طيبة وبعد:

 

فإني واللهِ كتبتُ لأجلك رسالتي والألم يعتريني والوجع بلغ بي أشده، ولكني لم أستطع أن أتركك هكذا لوحدك دون أن أحذرك مما هو قادم، فلقد سبقتك في تجرع مأساة الحرب وويلاتها، وذقت ما لم يتحمله إنسان ورأيت كل الذي صار وكان، فإني يا ابن بلدي لن أرضى لك الذل والهوان، ولا حياة يشوبها الذل في ظل حكمٍ جبان، وقسوة ليس لها مثيلٌ من طيارات إرهابية وأفظع عدوان، احمل سلاحك من الآن، لا تقل لا زلتُ صغيراً فالحرب لم ترحم أحداً ولم يسلم من مخالبها مخلوق، أحرقت الأخضر واليابس، وطالت نيرانها كل الآمال وكل الأحلام.

 

سيأتي الأشرار إلى أرضكم يا صديقي سيأخذون بيوتكم التي قضيتم فيها أحلى أيامكم، ويسحقون باحة بيتكم التي تجتمعون فيها مع أحبابكم، لكن لا تجزع ولا تخف، فقط احمل سلاحك وكن شجاعاً

احمل سلاحك من الآن وضع طفولتك وبراءتك جانباً ففي المعارك ليس لها قيمة ولا عنوان، ولا تسمح للطغاة باغتصاب حقك في العيش ولا بتمزيق تطلعاتك بعبور طريق الحياة بسلام، يا صديقي قتلونا وذبحونا لم يرحموا إنسانيتنا ولم يشفقوا علينا ولم يكترثوا لدمائنا التي غطّت الشوارع وغمرت المكان، دمروا حلب يا رفيقي، دمروا مسقط رأسي وأفسدوا ملاعبنا وحدائقها وأماكن نزهتنا ومتعتنا، تبدلت وتغيرت الألعاب التي كنّا نمارسها.

 

صرنا نقفز فوق ركام البيوت، وننقّب البحث عن الأشلاء ونجمعها لنخمّن لمن ينتمي هذا الجسد، صرنا نحمل البنادق ونتعلم فنون الرماية بإتقان، ونرمي بالقنابل على الجدران لنسمع دوي انفجارها، صرنا نرسم مربعات لعبة "الحجلة" على الشارع بالدماء المتناثرة وليس بالطباشير، صرنا نصيحُ بالمدنيين بضرورة إخلاء بيوتهم ونُلقي عليهم المنشورات والمحاذير، تبدلت ألعابنا يا صديقي وتلطخت بشوائب الحرب وقسوتها، ضاعت دفاتر رسومنا وذُفِنت، تقطعت حقائب مدرستنا وتناثرت.

 

اشتقنا لأصحابنا وجمعتهم، ودردشات أقاربنا وسهراتهم، قتلوا السهر والصخب والفرح، ألبسونا عنوة ثوب الحزن والترح، لا نعلم ما الذي ينتظرنا يا صديقي، خائفون نحن من الغد، مترقبون برعبٍ لما قد يحدث في المستقبل الأسود، لا ندري متى سنفرح بالنصر يا صديقي، لا ندري متى سنوزّع الكنافة والهريسة على الأهالي، لا ندري متى ستتوقف شلالات الدماء، ويعود الربيع لبلادنا ويرجع لربوعها الهناء والصفاء، لكن ثقتنا بالله عالية، وعزيمتنا لم تمت بعد، فالحر لا يستسلم يا صديقي، والحرة لا تسمح لنفسها بإنجاب أطفالٍ جبناء يفرون من المعارك، بل أمهاتنا يرضعننا حليب الصمود والقوة والأنفة والكبرياء، فننشأ على حب الحرية والاستقلال.

 

في الجنة ستسعدُ يا صديقي وستلعب دونما مللٍ أو تعب، وستنام كما يحلو لك دون أن يرعبك أحد، لا تجزع يا صديقي ففي السماء نجمةٌ أنت لا تطالها يد الأعداء.

سيأتي الأشرار إلى أرضكم يا صديقي، سيفسدون نومكم الهادئ، ويفجرّون دراجاتكم وألعابكم، ويسرقون وسائدكم الحنونة، وأسرّتكم الدافئة، سيأخذون بيوتكم التي قضيتم فيها أحلى أيامكم، ويسحقون باحة بيتكم التي تجتمعون فيها مع أحبابكم، لكن لا تجزع ولا تخف، فقط احمل سلاحك وكن شجاعاً فالحرب ليست للجبناء يا رفيقي، كُتب عليك ان تكبر قبل آوانك، وأن تنسلخ من طفولتك باكراً، وقد لا يُكتب لك العمر الطويل لتغادر الأرض للأبد إلى نعيمٍ دائمٍ في الجنة، هناك أنت طيرٌ وملاك ينعم بالأمن والأمان، لا حروب في الجنة يا صديقي، لا قذائف ولا طائرات روسية، لا صواريخ ولا دبابات إيرانية.

 

في الجنة ستسعدُ يا صديقي وستلعب دونما مللٍ أو تعب، وستنام كما يحلو لك دون أن يرعبك أحد، لا تجزع يا صديقي ففي السماء نجمةٌ أنت لا تطالها يد الأعداء، ولا تمسكها الكفوف الظالمة المجرمة، ستعانق الغيوم الصافية، وتراقب من الأعلى مجريات الحرب ونهايتها، ستسمع زغاريد النصر، ويملأ قلبك تجاه بطولة أبناء شعبك الفخر.

 

وفي الختام، لك مني يا رفيقي أعذب تحيةٍ وأرق سلام، لا اعلم إن كنتُ سألتقيك يوماً، ولكن إن لم تسنح الفرصة بلقائنا، تذكّر أخاً لك من حلب، بعث إليك حروفاً من ذهب، ليحثّك على الصبر وعدم الرضوخ مهما كان السبب، تذكّر أخاً لك من حلب، رأى من الحرب العجب، ولا زال صامداً واقفاً على قدميه ما أصابه الوهن ولا التعب، فالمظلوم لا تنطفئ نيران ثورته يبقى مشتعلاً كاللهب.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وصلت خمس حافلات تقل نحو 400 مدني -بينهم مصابون- من أحياء حلب المحاصرة إلى ريفها الغربي في ساعة متأخرة من مساء الأحد، بعد ساعات من الانتظار عند حاجز الراموسة.

أفادت مصادر طبية للجزيرة بوفاة ثلاثة أشخاص من بين المرضى والمصابين في الأحياء المحاصرة بحلب، إضافة إلى طفلة حديثة الولادة. يأتي ذلك بظل العجز عن تقديم الخدمات الطبية بالمناطق المحاصرة.

الأكثر قراءة