باصات خضراء.. وانتهت الحكاية!

هكذا خرجوا.. يجمعون بقايا الصمود والحرية، يتنفسون من عبقِ المدينةِ ما تبقى من موتٍ فيها، يلقونَ النظرةَ الأخيرةَ على حجارةٍ لا تزال صامدة، ودماءٍ غطَّتِ المكان، يقلبون بصرهم سريعاً على كل شيء، يجرُّون أحلام النصر جراً، وتخونهم دموعهم لحظة الوداع. 
هكذا خرجوا.. يحملون تعب ثلاث سنواتٍ عجافٍ كان الموت فيها قريباً حد النَّفَسِ.. لكن أرواحهم – ولقدرٍ إلهي سَلِمَتْ –  أودعوا هناك.. قِطَعَ القلبِ وأشقاء الرُّوحِ.. صرخات الأطفالِ.. واستغاثاتِ من ذاق الموت تحت الأنقاض! صمدوا حتى ضاقتِ الصُّدور وبلغت الأرواحُ عِنان السماء.. وبات الولدان شيباً لكنها لم تكن القيامة..

بأيديهم أخرجوا أشلاء لا يُعرف أصحابها.. وبأيديهم أسعفوا آلافاً غابت ملامحهم بدم نقي، بأكتافهم سندوا بعضهم حين خذلهم العالم.

كانت صاعقة أخذت من تبقى فيه الأمل، وأبقت من كان قدرهم أن يَرْوُون لنا الحكاية، بوجوههم التي مرَّ التاريخ على قسماتِها وترك خطوطاً لن يمحوها نصر أو هزيمة!

هكذا خرجوا.. يدركون جيداً معنى أن تركب بعد طول حصار حافلات خضراء لتمرَّ من بين الوحوش إلى حيث لا تعلم.. لربما موت آخر أكثر وقعاً وغربة.. ولربما بعض من نعيم.. يَعُون جيداً معنى أن تمشي صفاً صفاً، تجر بيدك متاعاً لن يَقِيْكَ برد شتاء ولا حرَّ صيف، لن يوصلك لبر الأمان؛ لكنه حِمْلُ المتعب، اليائس من الحياة، ومن عالم ظنَّ أن من يعيش به يحترمون الإنسانية!

يعرفون جيداً معنى أن تصل إلى حوافِّ الموت ثم تعود للحياة.. أو لشيء آخر لا يشبه الحياة.. لشبح موت يقف أمامك يتربص بحركاتك وسكناتك، ولذهول يشرئب بأنفاس الحياة المتبقية بك.

هكذا خرجوا.. كمن بعث من بعد الموت.. رأوا أهوال قيامة لا تشبه القيامة.. أحداثا كانوا يسمعون أنها حدثت ذات يوم في سورية.. اليوم عاشوها وسجلتها أعينهم وعقولهم بذاكرة لن يمحوها طول الأيام
بأعينهم، رأوا كيف يحرق الناس أحياء.. كيف تسجد المنازل بطوابقها دفعة واحدة.. وكيف يكون صوت التكبير حاضراً بين الأنقاض. 

يسخرون من خذلان العالم.. وصمته.. يقابلون نداءات العالم وتعاطفه بنظرات اشمئزاز.. ألسنتهم تردد راجعين يا حلب.

رأوا كيف تداس الرِّجال وتهان.. كيف يُصف الناس صفوفاً ويمر ملك الموت تباعاً مع الرصاصات حين يعلن الضابط لحظة الإطلاق.. كيف يتحول كل شيء لسكون في لحظة.. وكيف يهوي البرميل ثقيلاً على رأس المدينة.. وكيف يراوغ الناس القناص المتربص على المفارق.. إما يغلبونه أو يغلبهم وتنتهي اللعبة!

بأيديهم أخرجوا أشلاء لا يُعرف أصحابها.. وبأيديهم أسعفوا آلافاً غابت ملامحهم بدم نقي، بأكتافهم سندوا بعضهم حين خذلهم العالم.. جعلوها متكئاً للمتعبين منهم.. ليكملوا من جديد، وبألسنتهم لهجوا بأدعية.. همسوا بصلوات.. ضجوا بنداءات.. وغرقوا بالصمت. 

بوجوههم كل الحكايات القديمة.. كل التفاصيل الأليمة.. كل الصراعات المريرة.. يسخرون من خذلان العالم.. وصمته.. يقابلون نداءات العالم وتعاطفه بنظرات اشمئزاز.. ألسنتهم تردد راجعين يا حلب.

هكذا خرجوا.. وانتهت الحكاية، وأُسدل الستار عن مدينة جديدة.. سيضج بها الإعلام لأيام.. وسينام.. لكنها الشهباء غارقة بأنين من غابوا.. وجع من مضوا.. وشهقات الموت الأخيرة لمن بقوا.. لن تنام.. لن يعرف السكون طريقاً لجراحها.. ولن يطفئ مضي الليالي قهرها.. وستبقى على العهد المتروك على جدرانها "راجعين يا حلب .. راجعين".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

ظل قانون الإعلام الموحد المنظم لعمل مؤسسات الصحافة والإعلام في مصر قيد النقاش في قاعات نقابة الصحفيين والبرلمان لشهور قبل أن يفاجأ الصحفيون بتقسيمه إلى قانونين وموافقة البرلمان عليه.

واصلت الصحف الإسرائيلية اهتمامها بحادثة اغتيال الزواري قبل أيام بتونس، ففي صحيفة يديعوت أحرونوت قال خبير إن الزواري عمل في صفوف حركة حماس لتطوير منظومة غواصات يتحكم بها عن بعد.

الأكثر قراءة