صباح جدة.. كأس عدنية.. وابن عمّي

أستيقظُ صباحاً، قلبي كالكيس، تنفخ فيه لتخنق الهواء عن الخروج مجدداً، يستيقظ الغم شيئا فشيئاً منك، يتوسّد الأرض، يرتدي ثيابه باحثاً عن شخصٍ آخر كي يتلبسه، هكذا بدا لي رزق الغم وهو في سعيه بين اليوم والليلة حتى يحصل على لقمة عيشه.
 

آلو! ابن عَمِّي على الجهة المقابلة، يطلب مني التجهّز للذهاب والإفطار، في "الأسانسير" تفقدت حبالي الصوتية، ضخمة هذا الصباح، وكأنني من شاربي التبغ المعتّق الذي يورم الحنجرة ويحسبها السامع فخامة نوعية وفريدة من طلعتها، أركب السيارة، ليس هنالك صباح الْخَيْر، على غير ما اعتاده ابن عمّي، لأول مرة يراني هكذا، فهو بالأحرى يعلم كمية إزعاجي له وجعل الصباح صباحاً آخر في قلبه وداخل سيارته السيفيك هوندا التي مرة قال عنها وعلى سبيل المفاجأة في التوقيت والشخصية "ياخي سيارتي مؤخرتها كبيرة" أفطس من الضحك، كان وقتها يريد الوقوف على طريقة الريويس "الرجوع إلى الخلف" في حيّ الكندرة المتكتظة بساكنيها الحضارم، أو كما يسمونها اليوم حضرموت جدّة، ومعالمها من المساحات الضيقة في الممرات والمواقف، والواسعة في وُد أهلها وحيوية التقاليد والعادات.
 

ما أنبل الأصدقاء وأجملهم، الذين باستطاعتهم تبديل أحوالك بهذا العمق، من دون أن يغرقوا في دوامة التفاصيل وعوّامة الأحاسيس.

ابن عمّي لا يعتني قول هذه الأوصاف فهو حصيف اللسان، يحافظ قدر الإمكان ألا يقترب من تلك المناطق، فأتت منه كالطالب المؤدب الذي قرر فجأةً في يوم تخرجه أن يُفْسِد كل شيء دفعةً واحدة، قالها ونحن نوقف السيارة بجوار بوفية طيبة عند حيّ الكندرة، الماثل أمام الذهب وسوقه وسوق الأفراح، وكأن الله قسم الأرزاق بطريقة كوميدية تجعل من هذه البوفيه الصغيرة مصدر رزقها الحيّ والحيوي من تُجّار الذَّهَب الذين لا يقاومون لذة الفطيرة والشاهي العدني الذي يشبه طلوع الشمس صباحاً ومزاجا.
 

"فطيرة الكندرة الشهية الشعبية، والمسماة بوفية طيبة، تحصل على فطيرتين ساخنتين بالجبنة السائلة السائحة العربية المذاق، والبيض المقليّ المستورد من أفضل المزارع بشكل طبيعي والخالية من الحقن أو الكيماويات، والمرفق فيه شيءٌ من الطماطم اليمني والبصل الافريقي اللذيذ، ثم لتختم الجلسة بكاسة من الشاي العدنيّ الأصيل الذي يعيد إليك ذاكرة عدن البهيّة وبخورها وجمالها وإن لم تزرها يوما! كل هذا من يدِ أفضل الطباخين من أهل اليمن وبطاقم عملٍ متكامل يشرف باحترافية على عجن العجينة وتقليب الفطيرة ونقلها إلى طاولة التقطيع او اللف ليخرج لك في الأخير منظرٌ يُشبعك قبل المذاق".
 

بهذه المقدمة أستفتح صباح أصدقائي واستعطافهم في مجموعة حارتنا على الواتساب، والخروج بهم من نوبة الكسل واللحاف المبرّد إلى لذعة الشمس والحياة أو على الأقل التنفيس مما كدّر صفو القلب ليلا.
 

ابن عمّي يعشق التحليل والتاريخ، لا شيء يمر أمامه من دون تساؤل، أو لماذا وكيف، في هذا اليوم، لم يطب له الحال، أقصد حال الكآبة التي ملأتُ به سيارته، فراح يمضي استفزازاً تلو استفزاز حتى يُخرجني من كومة القش التي غطّت ملامحي، "انت حُمار ولا أهبل!" قذفتُ بها مع الضغط بشدة على الهاء كي تخرج من عمق الروح بعد أن كان شيءٌ من الفطيرة قد تقطّع وبات انتقالها الى المعدة جاهزا، ضحك وأردف بلهجته الحجازية: "أيوا كدا ياخي، القفلة شي ما يشبهك، ولا متعودينو فيك".
 

حين أوقفني تحت العُمارة، كان شيءٌ من أثقال الصباح قد أُزيح، هبت نسمةٌ زرقاء، أحيت شيئا من روحي، والأعجب من هذا أنّه لم يضطر أبداً من يومِ صعودي للسيارة أن يزاحم على معرفة الأسباب. ما أنبل الأصدقاء وأجملهم، الذين باستطاعتهم تبديل أحوالك بهذا العمق، من دون أن يغرقوا في دوامة التفاصيل وعوّامة الأحاسيس.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

لم يحصل موظفو الدولة باليمن على رواتبهم للشهر الثاني على التوالي في ظل نقص السيولة النقدية وقرار الحكومة اليمنية نقل البنك المركزي إلى عدن بعد اتهامها الحوثيين بإهدار الاحتياطي الأجنبي.

في باحة مركز طبي بمدينة عدن وقفت فطوم أويس وبين ذراعيها طفلها تستمع إلى التعليمات عن كيفية التعامل مع حالات سوء التغذية، وهي حائرة لا تدري ماذا تفعل لمساعدة أسرتها.

مع تزايد ضغوط العمل يغرق الكثير من الموظفين في بحر أعباء العمل، فيهملون حياتهم الشخصية وينعزلون عن الأهل والأصدقاء ويقعون فريسة سهلة لما يعرف بالاحتراق النفسي (Burn-out)، فما السبيل للوقاية؟‬

الأكثر قراءة