التعليم في المغرب.. أزمة مال أم أزمة إبداع؟

blog تعليم

شهد الدخول المدرسي لهذا العام صوراً حزينة لأقسام مكتظة بالتلاميذ، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، فتعالت أصوات الاستنكار والشجب لوضعية التعليم المزرية، الحقيقة أن تلك الصور لم تكن سوى الشجرة التي تخفي الغابة، فالإشكالية أكبر من مجرد اكتظاظ في الاقسام أو شح في الإمكانات بل مستوى المنتوج التعليمي ككل في ترد واضح.
 

تجلى هذا التردي في الترتيب المتدني للمدرسة المغربية في مؤشرات جودة التعليم العالمية، وغياب الجامعات الوطنية عن ترتيب الجامعات الدولية إلا فيما ندر، يضاف إلى كل هذا اعتراف الحكومات المتعاقبة بإشكالية التعليم ومحاولاتها المختلفة للنهوض بهذا القطاع الحيوي، حيث تعددت المبادرات والاستراتيجيات ولكن الوضع لازال على حاله.
 

إن أزمتنا الحقيقية اليوم هي أزمة مجتمعية بامتياز حيث أن الأسرة قدمت استقالتها من دورها الأساسي في مسألة التعليم.

لقد تعددت الآراء والفتاوى حول تشخيص الداء، وأدلى كل المتدخلين في القطاع بدلوهم في الموضوع، وصار العام والخاص والخبراء والعامة يخوضون في أسباب التردي وسبل الإنقاذ، فبين من يجد المسألة برمتها أزمة إمكانات وموارد مالية، وبين من يرى الحل في الرفع من أجور المعلمين، وبين من يرى الحل في استيراد التجارب الغربية والشرقية، وبين من يرى الحل في خوصصة القطاع برمته.
 

تعددت الحلول والرؤى دون وجود استراتيجية وطنية حقيقية للنهوض بالتعليم خصوصا أنه هو المؤشر الحقيقي لقياس تقدم الأمم في عصرنا الحالي، فهل الأزمة أزمة إمكانات مادية فقط أم أننا أمام أزمة إبداع حقيقية في إنتاج أفكار تصنع لنا بدائل و حلول لهذه الأزمة؟
 

إن مسألة الإمكانات المادية تظل بالتأكيد ضرورة ملحة للرفع من مستوى جودة التعليم، لكن في نظري ليست بالأساس سبب التدهور الملحوظ في جودة المنتوج التعليمي، الدليل على هذا أن الإمكانات المتوفرة حالياً أكبر بكثير مما كان لدى الأجيال السابقة والتي يضرب بها المثل في مستوى التحصيل والإتقان، فأجيال الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات تعلموا في ظروف قاسية لا يمكن بأي حال مقارنتها بما توفره إمكانات اليوم و رغم ذلك لا زلنا نضرب المثل بتلك الأجيال الذهبية كأفضل مستوى للتحصيل العلمي وإتقان العلوم واللغات.
 

إن أزمتنا الحقيقية اليوم هي أزمة مجتمعية بامتياز حيث أن الأسرة قدمت استقالتها من دورها الأساسي في مسألة التعليم، بين أسرة فقيرة لا ترى في التعليم قيمة مضافة لمعيشها اليومي، بل وزنا زائداً يثقل كاهلها بما يمثله من متطلبات يومية لأطفالها، و بين أسر متوسطة و ميسورة ترمي بمسؤولية تعليم أبناءها بالكامل إلى المدارس الخاصة ومراكز الدروس الخصوصية، وضعية مأساوية وصلت اليها علاقة الأسر بالمدرسة، حيث وفي كلتا الحالتين السابقتين فالعلاقة منقطعة بين المؤسسات التعليمية والأسر إلا فيما ندر.
 

المجتمع المدني يتحمل كذلك مسؤوليته فيما آلت إليه المدرسة العمومية، فغيابه عن هذا الشأن ترك فراغاً واضحاً، حيث أن وجوده كمؤسسات غير حكومية قريبة من الواقع اليومي للأسر وبعيدة عن الحسابات السياسية وحتى عن الأهداف الربحية، كل هذا يجعل من المجتمع المدني قوة حقيقية يمكنها الدفع بالقطاع التعليمي نحو الأفضل، من خلال الدخول في شراكات متينة مع المؤسسات التعليمية وشغل الفراغات التي أغفلتها الحكومة، من قبيل الدعم المدرسي المجاني وتأطير الأنشطة الموازية وتنمية المبادرات الشخصية لدى التلاميذ وكذلك توفير الدعم النفسي والمواكبة الطبية المجانية، يمكن لجمعيات المجتمع المدني أن تلعب كذلك دوراً مهماً في التحسيس بمدى أهمية لعب الأسر لدورها الأساسي في متابعة التحصيل العلمي لأبنائها.
 

إن التطور التقني الحاصل من خلال ثورة المعلومات الحالية، يمثل فرصة حقيقية بالنهوض بالتعليم في بلادنا، فالإمكانيات التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والتواصل ستمكننا من تبادل التجارب الناجحة بين المؤسسات التعليمية، و كذا ضمان التكوين المستمر للأطر التربوية بأقل تكلفة، كما ستساهم هذه التقنيات من النقص من الهدر المدرسي بالمناطق النائية، من خلال التعليم عن بعد وتمكين التلاميذ من دعم مجاني بعيداً عن تجارة الدروس الخصوصية، إضافة إلى كل هذا يمكن إنشاء شبكات للتواصل الرقمي بين الأسر والمؤسسات التعليمية، تجعل مسألة مواكبة الأسر لأبنائها مسألة هينة، إن ما توفره هذه التكنولوجيات الجديدة من حلول مبدعة وغير مكلفة ليعتبر أحد ركائز تغيير الواقع الحالي للتعليم في بلادنا، وجب فقط الاستثمار في مشاريع ذكية ومبدعة.
 

إن مصير الأمم على مر العصور مرتبط دوماً بالتقدم العلمي والتقني، فالتعليم هو الركيزة الأساسية لإرساء مجتمع متعلم قادر على الدفع بعجلة التطور والتقدم نحو الأمام.

ومن أبرز التحديات الأخرى التي يواجهها التعليم في بلادنا مسألة التوجيه، فالكثير من الطلبة يعانون من عدم القدرة على اختيار مساراتهم المستقبلية، نظراً لعدم إلمامهم بمخرجات كل توجه علمي وكذا جهلهم بواقع قطاعات التوظيف، مما يجعلهم عرضة لاختيارات قد لا تناسب امكاناتهم الفردية أو حتى متطلبات سوق العمل فيما بعد، لهذا فالمجتمع المدني إضافة إلى القطاع الخاص يتحملون مسؤولية إضافية من خلال توفير تداريب مهنية للطلبة منذ سن مبكر، يمكنهم من الاحتكاك بالواقع المهني ويجعلهم يكتسبون مهارات التواصل والانضباط خارج المؤسسات التعليمية.

كل هذا من خلال فرض تدريبات سنوية ابتداءاً من المستويات الإعدادية ودعم الشراكات بين المؤسسات التعليمية والشركات التجارية والصناعية، كما أن مسألة جعل الولوج إلى التكوينات المهنية منذ المراحل الإعدادية ليعتبر أحد المفاتيح الناجعة لتنويع العرض التعليمي للتلاميذ منذ سن مبكرة.
 

إن مصير الأمم على مر العصور مرتبط دوماً بالتقدم العلمي والتقني، وبالتالي فالتعليم هو الركيزة الأساسية لإرساء مجتمع متعلم قادر على الدفع بعجلة التطور والتقدم نحو الأمام، فمسألة تطوير التعليم في بلادنا وإخراجه من أزمته الحالية يكتسي أهمية كبرى بالنسبة لنا جميعاَ، وهذا لن يتأتى بسياسات حكومية فردية، بل من خلال تآزر الجهود من كل أطراف المجتمع من مجتمع مدني قوي ومبادر وقطاع خاص مواطن وأفراد مبدعين وأسر ملتزمة بمواكبة أبنائها ومؤازرتهم، ينضاف إلى كل هذا لمسة إبداع و تفكير خارج الصندوق.