حلب الفشل وتصحيح المسار

A view shows the damage as seen from Aleppo's historic citadel, during a media tour, Syria December 13, 2016. REUTERS/Omar Sanadiki

نعم سقطت حلب لكن الثورة لم تسقط بعد ففي عالم المبادئ والثورات ودنيا القيم فلا قيمة لسقوط المدن ما دام المبدأ حياً وما بقيت الثورة حية في النفوس، فما فقد اليوم من أرض سيتم استعادته غداً طالما أن الفكرة لازالت حية والنفوس لازالت مستعدة للبذل والتضحية أكثر.

فالنظام وحلفائه كانوا على وشك خسارة حلب قبل ثلاث سنين لكنهم تداركوا أمرهم وهاهم يستعيدونها الآن بصبرهم وتخطيطهم وعدم يأسهم واتخاذهم كل الأسباب التي أدت إلى تحقيق هذا النصر اليوم ومنهم نستخلص الدرس.. فبإمكاننا استعادة زمام المبادرة وتغيير المسار لصالحنا نستعيد حلب كلها لا حلب الشرقية وحدها وتطهير كافة الأراضي الشامية بشرط إعادة النظر بآليات ووسائل إدارة هذه الحرب..

من الواضح جداً أن النظام وحلفائه غير قادرين على شن حرب على كل الجبهات وبنفس التوقيت لذا نراهم يهادنون في منطقة ويحاربون في أخرى.

فما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الفشل وكيفية علاجها:
استراتيجيا: التوهم بأن هذه الحرب قصيرة الأجل والحقيقة التي أصبحت واضحة لكل متابع للأحداث أن هذه الحرب طويلة المدى عميقة التأثير على المستوى العالمي ترتبط بها تحولات عالمية جيوسياسية كبرى تمس بنية وجوهر النظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية وحرب بهذه الأهمية العظيمة.
 

لا يمكن أن تخاض بتصور قصير الأجل تضعه جماعة واحده وفصيل واحد لا يرى أبعد من الحي الذي يحكمه والشارع الذي يسكن فيه، كما لا يمكن أن يخوضها سنة حلب لوحدهم ولا يمكن أن يخوضها سنة سوريا لوحدهم بل يجب أن يخوضها سنة المشرق كلهم سنة الهلال الخصيب العراق وبلاد الشام مباشرة وسنة الجزيرة العربية وتركيا من ورائهم دعماً وإسناداً، فالواقع واحد والعدو واحد والجبهة واحدة فضلاً عن أن المخطط يستهدف الجميع دون استثناء. يكون فيها دورة سنة العراق باستنزاف الحكومة لعراقية وميلشياتها والواجب المنوط بسنة لبنان هو مشاغلة حزب الله في عقر ديارة بينما يتفرغ السوريين لمنازلة واقتلاعه..
 

لهذا ينبغي على السعودية وتركيا جمع المعارضتين العراقية واللبنانية مع المعارضة السورية وتشكيل غرفة عمليات سنية واحده تقومان بتوجييها وقيادتها، ويجب على هذه المعارضات الثلاثة التخلص من النظرة الوطنية الضيقة والتصور القُطري الجاهل فهذه النظرة، وهذا التصور قد تجاوزتهما الأحداث وأصبحوا من مخلفات مرحلة ما قبل الربيع العربي، فأعداؤنا يعملون بخطة متجاوزة للحدود عابرة للصناديق التي وضعنا فيها سايكس بيكو فعلاما نستمر بالالتزام بها في الوقت الذي مزقها جميع المشاركين بحربنا من الروس والإيرانيين والاحزاب والمليشيات المتربطة بهم!
 

سياسياً وعسكرياً: التعلق الكبير بوهم الدعم الغربي واستجداءه بمختلف الوسائل، فقد حان وقت التوقف عن هذه الشحاذة السياسية، فالغرب لا يهمه الدم السني المستباح في حلب ولا في غيرها، فهو نفسه من يستبيح الدم السني في العراق وأفغانستان وبقية الدول وعدم شن حرب شاملة في كل الجبهات على الأرض السورية بغيت التخفيف وإرهاق النظام وحلفائه. فمن الواضح جداً أن النظام وحلفائه غير قادرين على شن حرب على كل الجبهات وبنفس التوقيت لذا نراهم يهادنون في منطقة ويحاربون في أخرى.
 

آن أوان الانتقال من مرحلة الصحوة إلى مرحلة اليقظة وهي مرحلة الوعي بالواقع والرشد والانتقال من طور العواطف والبعثرة إلى طور العمل باستراتيجية واضحة وخطوات مدروسة

أصبح من اللازم اقتحام المطارات والقواعد الجوية لإخراج سلاح الجو التابع للنظام وحلفائه من الخدمة بعدما تأكد انعدام الأمل في الحصول على صواريخ مضادة للطائرات وكذلك عدم الاعتماد على الذات في التصنيع العسكري والبحث عن الدعم الخارجي.

وما لم يتم الاعتماد على الذات في تصنيع السلاح أو من خلال الغنائم ستبقي الثورة والثوار تحت رحمة العامل الخارجي وتغيرات مزاجه وحسابات مصلحته الذاتية وأولى الخطوات نحو تحقيق الاستقلال الذاتي الحقيقي هو التصنيع العسكرية مهما كانت الأسلحة المصنعة بدائية فهي ستتطور بمرور الوقت وستصبح نوعياً مع الزمن وتراكم الخبرة التصنيعية..
 

فكرياً ومنهجياً: الكف عن هذا الانشغال بالذات بسبب هذا الخلاف الطفولي العبثي بين إسلاميين جهاديين وإسلاميين إخوان وسلفية، فالمجتمع الدولي ما دام قائماً لن يقبل بالإسلاميين أياً كان منهجهم جهادياً أو إخوانياً أو صوفياً طالبان وإخوان مصر وحماس والعدالة والتنمية التركي.. نماذج واضحة في هذه المسألة.

وهذا المجتمع الدولي أيضا لن يرضى عن شخص علماني نزيه كفيدل كاسترو وصدام حسين لذا ينبغي تركيز جهود الثورة على غاية واحدة فقط هي كسر الشوكة الشيعية ومنعها من التمكين والسيطرة حتى يزول هذا النظام الدولي المضطرب أو تتغير توازناته القائمة، مع ملاحظة أن الكثير من الخلافات ماهي في حقيقتها إلا خلافات لهوى شخصي لدى الأمراء وبعض قيادات الجماعات يلبسونها لباساً فكرياً منهجياً وهي ليست كذلك أو يجعلوا منها مسائل يعقد عليها الولاء والبراء علما أنها مسائل الخلاف فيها مستساغ والمخطئ فيها معذور..

إعلاميا: اللهاث خلف تصدر الهاشتاغات العالمية دون فائدة حقيقة مرجوة من هذا التصدر سوى مزيد من اجتماعات دولية لم ينتج عنها إلا قرارات باهته لا تنفذ وتفاهمات دفعت المعارضة السنية إلى مزيد من التنازلات، وفي بعض الأحيان عقدت بسبب الحملات الإعلامية المكثفة جلسات طارئة لمجلس الأمن انتهت بفيتو روسي وفي أحيان أخرى اجتمعت للجمعية العامة للأمم المتحدة وانتهت إلى لا شيء، ولم يجني الفرد الحلبي المحاصر من كل هذه الهاشتاغات سوى المزيد من الصواريخ والرصاص المنهمر فوق رأسه ورؤوس أبناءه وأهل بيته.
 

مرحلتي الصحوة واليقظة ثم التمكين هي من السنن الكونية التي تجري على كل الأمم، فما من أمة ولا شعب من الشعوب التي تحقق لها التمكين في الأرض إلا ومرت بهذه المراحل

قد يقال هنا لكي يسمع ضمير العالم.. ها قد سمعت أميركا فماذا صنعت! وها قد شاهدت أوربا فماذا قدمت فقط أصدروا بيانات تنديد وخطابات استنكار لم تنقذ روح ولم تطعم جائع ولم تعالج مصاب ولم تؤمن خائف، لهذا ينبغي التوقف عن السياسة الإعلامية اللاهثة خلف انتصارات تويترية لا تلبث أن تتلاشى تحت قصف الصواريخ، وأيضاً ينبغي تغيير السياسة الاعلامية من سياسة إعلامية إخبارية على الأخبار إلى سياسية إعلامية حربية تقوي الأمل في نفوس المناصرين للثورة وتزيد من إيمان الحاضنة بها.

وفي نفس الوقت تبث اليأس في نفوس أتباع النظام وحلفاءه وتبث الرعب بينهم، إضافة إلى أنه ينبغي استبدال مصطلح "الإنسان السوري مستباح" بمفردة "الإنسان السني" فهذه هي الحقيقة فليس كل السوريين مستباحه دمائهم وأعراضهم، فقط سنة سوريا هم المستهدفون المستباحون.

أخيراً آن أوان الانتهاء من مرحلة الصحوة وهي مرحلة من سماتها الفوضى ومن طبيعتها التبعثر -لأنها أولى مراحل الاستيقاظ من سبات عميق فتتميز بالاندفاع وتتسم بتحكم العاطفة وسيطرة الحماسة نظراً لقلة الخبرة وتحكم المشاعر بنفوس العاملين- ولقد آن أوان الانتقال من هذه الصحوة إلى مرحلة اليقظة وهي مرحلة الوعي بالواقع والرشد والعمل بتخطيط والانتقال من طور العواطف والبعثرة إلى طور العمل باستراتيجية واضحة وخطوات مدروسة حتى يتحقق التمكين في الأرض حسب سنن الله الكونية.
 

فمرحلتي الصحوة واليقظة ثم التمكين هي من السنن الكونية التي تجري على كل الأمم، فما من أمة ولا شعب من الشعوب التي تحقق لها التمكين في الأرض إلا ومرت بهذه المراحل وعاشت هذه الأطوار، فلا نلومن الشعب السني على تخبطه وفوضاه وتلعثم خطاه فيما مضى من أيام الربيع العربي، ونتهمنه بالعبثية، ونحقرن من سعيه لتغيير واقعه وتحقيق حلمه بالعدل والتخلص من حكم الظلمة والفاسدين وعيش كريم..