الباب المُغلق

blob- دعاء

أغمضتُ عينيّ في كلّ مرة وسِرتُ أتخطّى عقباتٍ لا تُعدّ، أركّز ناظريّ فقط على الشعاع القادم من تلك البوّابة في الأفق، أسابق الزمن وتتناثر مني أغلى ممتلكاتي في سبيل الوصول.. وفي كلِّ مرة، تماماً عند لحظة الدنوِّ منه، أسمع صوت احتكاك ذلك الباب المرجوّ بالأرض، وهو يُغلق بعُنفٍ يجعل كل القوّة المتماسكة في جوفي تتطاير.. أتخبّط في ابتعادي عنه، وأنا أنفض عنّي غباره أعود محاولة التقاط ما سقط مني في سبيله..

 

هذه الفاجعة لم تكن مرة ومرتين بل تحدث مرات لا تُعدّ، وباتت السبيل الذي بُنيت عليه الحياة في ناظريّ. مرّة بعد مرّة أصبحت أدرك أن المأساة الحقيقة لا تكمن عند اللحظة التي يُغلق فيها كلّ باب رجوتُه.. وكأن الآلام بتكرارها يتلاشى أثرها الظاهري ليكشف عن عُمق ما يستحق الألم!
 

لا تمتحنّي بذلك رُحماك.. لأنّ صدى صوت إغلاق هذا الباب في وجهي سيجعل كل قطعة مني تتناثر، فتنحلّ إرادتي، ويتشوّش فِكري، وأتوه في ظُلمتي.

أنا بابه هو حين يُغلق … هُنا أرتمي بكلّ قواي عند العتبة، لا يكون بي حيلة لرفع حِملي أو لالتقاط قوّتي أو حتى لٍأَن أستدير فأبحث عن باب آخر.. هُنا لا احتمال لكلّ ذلك، إن أُغلِق هذا الباب تنتهي الطاقة، تتلاشى لقوّة، تنطفئ الإرادة، وتنقطع السُبل.. إذ أنه منبع كل ذلك، ومن لدنه تُستمدّ كل تلك القِوى.. وبقدْر ما يبقى بابه مفتوحاً على مصراعيه بِقدر ما تزداد قوّتي في مواجهة الأبواب الأخرى.. كنت أخشى أن يُغلق بابٌ ما.. واليوم أرى انسداد كل الطرق في وجهي، وتلاشي المثير من الأحلام أمامي، فلا يبلغ مني الألم ذروته إلا حين يُغلق بابه هو.. ولا أضطرب اضطراباً عنيفاً إلا حين أعجز عن الوصول إليه هو.. ولا يهتزّ كياني إلا حين يكون البُعد عنه هو..
 

رُحماك علِّمني الحياة واختبرني بها بإغلاق كل بابٍ عدا بابك.. أن تُطفئ من عينيّ نورك، ويسهو لساني عن ذِكرك، ويسرح فِكري بغير رضاك، وأصحو وأنام بدون وِرْد الوصال بك، وتغفو عيني بلا ذِكر حبيبك، وألهث خلف حُلُم يُبعدني عنك، وأسهر الليالي على عملٍ ما نويتُ فيه رضاك، وأرى النِعَم فأنسى أنها منك، وأرى الجمال فأنسى أنه انعكاسك، ويأتيني قدرك فأنسى أنه لُطفك، وأغدو كالتائه عنك لا يفهم إشاراتك، ولا يشعر بألطاف أقدارك، ولا يثق بجميل صُنعك..
 

لا تمتحنّي بذلك رُحماك.. لأنّ صدى صوت إغلاق هذا الباب في وجهي سيجعل كل قطعة مني تتناثر، فتنحلّ إرادتي، ويتشوّش فِكري، وأتوه في ظُلمتي.. ومن ثمّ تدفعني رياح قوّة انغلاق بابك نحو درب بعيد، هناك حيث لن أعثر عليه أبداً … وهذا يكون أعظم المُصاب.
 

أعوذ بنور وجهك من أن يُغلقَ بابك، أو أُعذَّب بالانقطاع عنك، أو أُمتحن بعصياني لك.. أعوذ بك من كل ذلك.. قد يجعلني الذنب والبُعد عنك أقرب لك بعد التوبة، لكنني لا أحتمل عذاب معصيتك، ولا انقطاع أنفاسي عن ذكرك.. قرّبني إليك بكل امتحان عدا امتحان البُعد عنك.. وامتحنّي بإغلاق كل باب عدا إغلاق باب الوصال بك..