شعار قسم مدونات

حُكـــامَ السراب.. على قَيدِ اللاحَياة

blogs- حلب

قَد يَعتَبِرني هذا الحَاكِمِ أو ذاكَ الرئيس مُفتريِةً أو شَجةَ الكلام، لا أشعرُ بمواقفهم البَريئةِ والذكية أو الخارجةِ عن الإرادةِ الصَعبة، أو حتى لا أفهمُ سياساتِهم الحكيمةِ أَثناءَ المواقف الحاسمة، قَد تكُون بالفعل إنساناً بريئاً لا حيلةً بيدك سوى الاستمتاع بالظلم والقهر والألم، يَنتابكُ ذَاكَ الشعورِ الممتعِ بالتلذذِ بالدماءِ الطاهرة والأشلاءِ المقُطعة، التي ذاقت جوعاً مُستميتاً وعطشاً شَنيع، تتلذذُ بسَماءٍ امتلأت بدخانٍ أسودٍ وأصواتِ مدينةِ أشباحَ مُفزعة، لن تهربَ إلا بزوال ذاك الكرسي من بينِ قَدميك، أو حتى زوالك أنت من بين قدمي الكرسي، هذا الكرسيِ الذي لَطالما كان الفاصل الأول للرهانِ الوحيد لإثبات قوتك الضعيفة.

 

قل لهم ماذا ستفعل بهم غداً وبعد غد، قُل لهم أنك لا تريد أن تُزهِقَ أرواحهم، أخبرهم أنهم لا زالوا على قيد اللاحياة، وأن لا زال في الوقت مُتَسعٌ لِجلد أنفاسِهم الأخيرة.

عَلى قيدِ اللاحياة

تَخيل معي للحظةٍ واحدة، وتَوقف قليلاً عن الاستمتاع بِتلك الأحداث، حينَ رؤيتكَ لشيخٍ مسكين انتشلهُ الجوع وأخذهُ إلى مكانٍ بَعيد داخلَ أربعة جدرانٍ مظلمة هو وزوجته شاحبةُ اللونِ وأطفالهِ الخمسة، تركَ كل ما ملك فقط ليهربَ مِن شبح موتٍ أوحد، اختبأ ليُبعدَ الاغتصاب عن إبنته العشرينية الوحيدة وليلقي الدمَ وراءَ ظهرهِ عن زوجتهِ التي تَنزفُ شلالَ دم ٍ دون مُسعف، واجهْ نظراتَ أطفاله الأربعة وحقد أَعُـينهم المهملة، تكلم رجـــاءً واشرح لَـهم عن مدى استمتاعكَ بِهذه اللحظة الصادمة، قُــل لهم حرفاً واحداً فقط، ولا تُحدق كثيراً، هم يخجلون أيضاً، هم لا ينتظرون سوى التُحدثِ فقط ؛ عَلَّهم هم أيضاً يستمتعون برؤيةِ أنفسهم كما أنت، قل لهم ماذا ستفعل بهم غداً وبعد غد، قُل لهم أنك لا تريد أن تُزهِقَ أرواحهم، أخبرهم أنهم لا زالوا على قيد اللاحياة، وأن لا زال في الوقت مُتَسعٌ لِجلد أنفاسِهم الأخيرة، لا تُحدق طويلاً، ولا تشعرهم بطيبتك.

 

لَقَدْ كُنّا فَحسب

لقد كنّا ولَم نَكُن، وكُنتَ ولَم تكن، وشَعرنا ولَم نَشعر، إلى أن كنّا وشعرنا وذَرفت أَعُيننا دماءً عَارمة، تَغلغت في شوارعُنا المُظلمة، وبُيوتِنا المُحطمة، ومساجدنا المُقدسة وكَنائسنا الطَاهرة، لَقَدْ كنّا.

 

تمَلَّكنا ذاك الموتُ تحتَ أنقاض الأرض اليابسة، نَصرخُ بأعلى أصواتِنا الخَرساء، نعم لن يَسمعُنا أَحد، إلا حاكمنا البريء الظالم، صانع القهرِ والألم، لقد كنّا فحسب، ولن نعودَ ثانية لا نَحْنُ ولا أنتَ بعد موتك، نعم زوالكَ قريب، ونهايتك أقرب، وما الله بِغافلٍ عنك، نعم كنت قاسياً متربعاً على عَرشكَ الجميل، وحاشيتك المُريبة، في غابتك الثمينة، نعم كنت قاسياً لأبعدِ حدودِ الأرضِ والسماء، كنت ظالماً عابداً لنفسك ولروحك ولذاك الكُرسيِ أيضاً، وكُنتَ مغفلاً أيضاً، كنت مغفلا ً لِدَرَجةِ أنَّك نسيت أن الله الواحِدَ الأوحد، الصَمد والجبار، هي كلمة أَخيرة : كُن رحيماً على نَفسِك .