الأقباط والسيسي "كل شيء في مقابل لاشيء"

blogs- الأقباط والسيسي

منذ 2013، واكبت الكنيسة القبطية في مصر أطروحة المؤسسة العسكرية في الانقلاب على نظام الإخوان حيث أن إسلاميته كانت ترعب -دون مبرر- المسلمين والمسيحيين على السواء، كما دعمت الكنيسة عبد الفتاح السيسي، وعملت التنظيمات القبطية الدولية على نسج حملة إعلامية لإقناع الغرب أنه رجل المرحلة، وهنا يجب الإشارة إلى النفوذ الذي يحظى به الكيان القبطي في دول كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا، هذا الكيان الذي يتمتع بدرجة عالية من التنظيم والتنسيق وسرعة التحرك عندما يتعلق الأمر بالمصلحة القيادية للكنيسة.
 

النتيجة كانت تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر وأمال الأقباط و تطلعاتهم موجهة إليه، خاصة التطلع القبطي إلى بناء دولة مصرية مواطنية يتساوى فيها القبطي مع غيره مساواة تامة من حيث التمكين، وتقلد المناصب العليا، والمشاركة السياسية الفاعلة، وكانت دعوة الرئيس السيسي لإصلاح الخطاب الديني بمثابة حدث تاريخي تعاطفت معه الجماعات العلمانية في مصر، وكبار المثقفين، وشعرت الكنيسة القبطية وكذا رعياها أن الدولة المواطنية التي يرسمها مسيحيو مصر في أذهانهم سيتم بنائها على يد "المجدد والبطل" الذي يمتلك السلطة لفعل ذلك.
 

المجتمع القبطي يريد أن يكون علمانيا ومواطنيا في منطقة تريد أن تكون دينية لأنها ترى في تطبيق الشريعة الإسلامية الحل المتكامل لكل مشاكل الحياة.

لنتوقف عند هذا الحد ونطرح سؤالا بسيطا، من يتحكم في ملف الأقباط في مصر؟ هل الرئيس وحده؟ إن كان الرئيس وحده كشخصية تحظى بشرعية وطنية لا تفوقها شرعية، فإنه قادر على أن يدفع بملف الأقباط ومستقبلهم السياسي والمواطني نحو الأحسن، لكن الحقيقة أن المسألة القبطية هي ضحية لتفاهمات سياسية ودينية، أي إنه لا يمكن في أي حال من الأحوال اتخاذ قرار تاريخي يخص الأقباط دون الرجوع إلى المؤسسة الدينية المصرية النافذة، أي مؤسسة الأزهر.
 

حيث أن السياسيين في مصر حتى وإن أظهروا حدا من العلمانية أو الإيمان بالمواطنة الكاملة فإنهم غير قادرين عن الفصل بين وجهة النظر السياسية المدنية والمواطنية، ووجهة نظر الأزهر الدينية، أي أن من يتخذ القرار تجاه الأقباط لا ينطلق من فرضية أن الأقباط نسيج مواطني يتساوى من ناحية الحقوق والواجبات مع غيره من الأنسجة، وإنما ينطلق من فرضية أن مصر دولة مسلمة يجب أن يكون وضع الأقباط داخلها متسقا مع توجهات الأزهر ومقتضيات الشريعة الإسلامية، هذا المنطق بالذات لا تستطيع الكنيسة القبطية المصرية الإقرار بوجوده، كما لا تشجع الجماعات القبطية التي تناضل من أجل مواطنة متساوية، وهذا ما يفسر ربما وجود شتات قبطي يعمل على قضية الأقباط من نيويورك وغيرها من المدن الغربية.
 

لم تتغير أحوال الأقباط في ظل حكم الرئيس السيسي، كما لم تتغير أحوال غيرهم، مازالت الأحداث الطائفية حاضرة، ومازال إصرار الكنيسة على دعم الرئيس من منطلق أن استبداد العسكري أحسن من استبداد الإسلامي، بالرغم أن هذا الأخير لن يفعل أكثر مما فعل غيره من غير الإسلاميين إن حكم مصر. إذن، هناك معادلة في غاية التعقيد تحكم الوضع القبطي في مصر، ففي الوقت الذي تكون الأحضان دافئة بين الكنيسة القبطية ورئاسة الجمهورية، يواجه المجتمع القبطي تعقيدات تجعل من القبطي غير قادر حتى أن يكون مدير مدرسة.
 

وفي الوقت الذي يرتبط رئيس مصر المسلم بمرجعيته الدينية وبالأزهر ولا يجرأ عن الانفصال عنها، تنفصل الإدارة الكنسية في مصر عن تطلعات الأقباط وتطير في رومانسيات ومواعظ لا يفهمها الآخر ولا يقر حتى باستقامتها، المجتمع القبطي يريد أن يكون علمانيا ومواطنيا في منطقة تريد أن تكون دينية لأنها ترى في تطبيق الشريعة الإسلامية الحل المتكامل لكل مشاكل الحياة.
 

الأزهر الشريف والرئيس المصري الحالي هما متكاملان، كل يكمل شرعية الآخر، ويعيشان حالة من الاعتماد المتبادل، حتى وإن كان الأزهر في حد ذاته موجها نحو أغراض سياسية.

عند هذا الحد يمكن التساؤل عن الحل، هل يجب أن ينتظر الأقباط عقودا أخرى ينتظرون الدولة المواطنية التي يتطلعون إليها، إلى أي متى يمكن للأقباط أن يلعبوا أدوار الدعم والمهرجانات والكولسة في الدول الأجنبية لصالح إدارة تنظر إليهم بنفس النظرة التقليدية التي لم تتغير أبدا؟ وإن تغيرت لبرهة فإنها تكون لأسباب تجنيد سياسي وحشد لصفوف الأقباط لصالح شخصية معينة أو هدف سياسي ما، مع وجود حالة من التجريم يطلقها عليهم المتعاطفون مع نظام الرئيس المنتخب شرعيا محمد مرسي، ووصل الحد إلى اتهام الكنيسة بتخزين السلاح، وممارسة الإرهاب، وكذا دعوة جموع المصريين إلى مقاطعة "النصارى" اقتصاديا، وذلك عقابا لهم على دعم الرئيس السيسي والانقلاب الذي وقع في2013.
 

لو نظرنا للأمر بعين الحياد والموضوعية سنجد أن الكنيسة القبطية لم تكن وحدها داعمة للانقلاب العسكري، ولنظام السيسي الذي حكم مصر بعد انتخابات رئاسية عادية من ناحية الشكل، حيث إن المؤسسة الدينية الأكبر -أي الأزهر الشريف- وصل إلى درجة الدعوة لاستعمال العنف ضد من يتعاطف ويتظاهر لصالح نظام مرسي، حيث إنه إن أخطئ الأقباط بدعمهم للرئيس السيسي، فمؤسسة الأزهر كذلك أخطأت، وحتى القوى الإقليمية التي تدعم السيسي، يعني ليس من الأخلاق التحامل على الأقلية القبطية وحدها التي اتبعت إدارتها الكنسية انطلاقا من تخوفها من إيديولوجية إسلامية قد تشكل خطرا على هويتهم الدينية.
 

لكن ماذا فعل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي ليس "إسلاميا" بالمعنى الذي يخشاه مسيحيو مصر للأقباط؟ الإجابة هي لا شيء، حيث إن المجتمع القبطي أعطى كل ما عنده، داخليا وخارجيا، سياسيا واقتصاديا، لكنه في المقابل لم يحصل على شيء، ولن يحصل على شيء لان ملفه ليس ملف سياسي وفقط، وإنما أي قرار يخص الأقباط لا بد أن يستشار فيه العقل الديني الأزهري، الذي يعيش حالة من التعاقد بينه وبين العقل السياسي الحاكم في مصر، فالأزهر الشريف والرئيس المصري الحالي هما متكاملان، كل يكمل شرعية الآخر، ويعيشان حالة من الاعتماد المتبادل، حتى وإن كان الأزهر في حد ذاته موجها نحو أغراض سياسية تخدم الطبقة الحاكمة وبعض قوى المنطقة المتحالفة معها.