أشعلوا حرب العصابات بأرضهم.. أو استعدوا للموت

في سبتمبر/أيلول 2012، وقبل مرور شهرين على اقتحام الجيش الحر لمدينة حلب، وفي ظل نشوة الانتصارات التي لم تتوقعها الفصائل الزاحفة من الريف بسلاحها الخفيف وعقيدتها المتينة، أجريت حوارا تلفزيونيا مع قائد لواء التوحيد الشهيد عبد القادر صالح، الذي كان يُنظر إليه على أنه الفاتح الجديد لحلب، بل لسورية كلها لاحقا، وسألته لماذا قرروا اللجوء إلى استراتيجية تحرير المدن والقرى والتورط في حرب تتسع باتساع مساحة البلاد كلها بدلا من حرب العصابات؟ فأجاب بأنهم يعملون على هذين المسارين معا بالتوازي، وبحسب الفرص المتاحة في كل موقف على حدة. 
 

رحل الشهيد رحمه الله كما رحل الكثير من رفاق سلاحه قبل أن تقرّ أعينهم بالنصر الذي كنا نحلم باكتماله على كامل أرض سورية في غضون سنة، فالفصائل التي حررت نصف حلب خلال أسابيع توقفت عند الخط الفاصل نفسه الذي وصلت إليه قبل خمس سنوات، ولم تدرك طوال هذه المدة أنه لا بد من تغيير قواعد اللعبة.

إذا كانت للثورة السورية خصوصية ما، فيجب أن تكون في تركيز الجهد كله -وليس معظمه ولا بعضه- على نقل ثقل المعركة إلى الساحل السوري.

كان الهدف آنذاك تحرير البلد شبرا شبرا، وتقديم نموذج مدني بديل في شرق حلب كنواة للدولة الجديدة، وقد قبِل العالم بمنح المعارضة فرصة التجربة، وتدفق التمويل والخبراء والمتطوعون وتراجع القصف كثيرا، واستنفرت الكثير من وسائل الإعلام المتعاطفة مع الثورة لتلميع صورة التجربة الوليدة التي كنتُ شاهدا على فشلها الذاتي، لأنها كانت تحمل من البداية بذور الخلاف والشقاق والتنافس السخيف على المناصب والنفوذ، ولم تكن بحاجة لأن يفشلها أحد بأي مؤامرة.

خلال سنة أو يزيد، انتهت مهلة التجريب، وفشلت المعارضة بجناحيها السياسي والعسكري -فضلا عن الناشطين- في تقديم أي نموذج يقنع القريب أو الغريب بأن هناك بديلا يمكن أن يحكم البلد بعد بشار، وخسرت الثورة معظم التعاطف العالمي، واكتملت خطة النظام بزرع خلايا التطرف في كل مكان.

بدأت الفصائل بخسارة مناطقها بعد ظهور داعش والوحدات الكردية وتعدد الجبهات، ولم تتنازل يوما للتفكير -فضلا عن الاعتراف- بأن استراتيجية التحرير تلك لم تكن خيارا موفقا، بل شنت قبل أسابيع من الآن معركتين كبيرتين تحت مسمى ملحمة حلب الكبرى الأولى والثانية، مع زخم إعلامي يناسب حجم الإنجازات المحققة بالفعل، إلا أنها سرعان ما خسرت كل شيء، وهي تخسر اليوم كل تلك المناطق التي حررتها مع الشهيد عبد القادر، بعد أن مُسحت عن الأرض مسحا، وتحول أهلها إلى جيل جديد من "الغجر" الباحث عن مأوى دافئ في أصقاع الكوكب.

"لا يزايدنّ أحد على أبطال المقاومة"، هذه قاعدة تستحق الاحترام، و{فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة}، فهذه آية لا تحتمل الخطأ، لكن العُرف الذي يجعل المقاتل على صواب دائم هو أحد الكوارث الفكرية التي مازالت تؤخر النصر، فالحق أولى بأن يُتّبع ولو صدر عن كافر أو مجنون، و{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}.

وإذا كان للمجتهد المخطئ أجر واحد وعفو إلهي عن خطئه، فلا يكون ذلك إلا بعد أن يستوفي المجتهد شروط الاجتهاد من العلم والتبصر والتورع عن القول بما لا يعلم، وقد كان السلف يتورعون عن الإفتاء ويتهربون من السائل حتى في توافه الأمور، فضلا عن تحمل مسؤولية الإفتاء في مسائل عسكرية قد يؤدي الخطأ فيها إلى تحمل دماء وأعراض وأموال شعب كامل.

وقد كان الكثير من قادة الفصائل وما يزالون يرفضون أي مشورة عسكرية من الخبراء، وما أكثر ما رفضوا من محاولات إدخال الضباط المنشقين عن النظام في سلك الجيش الحر، الذي تأسس أصلا على فكرة الانشقاق وتكوين جيش وطني حر بديل، إلا أنه تحول منذ أيامه الأولى إلى فصائل من المتطوعين تتعدد بتعدد المدن والقرى والحارات والقبائل والولاءات، وتتباهى صراحةً بعدم انقيادها لرئيس واحد. ودعْك الآن من الحديث عن كفاءات القادة الميدانيين وما يسمى بشرعيي الكتائب، فالأولوية لمن قضى سابقا أطول مدة محكومية في معتقلات النظام، وللوجهاء وذوي الحسب والمال، وليس لمن هو أكثر علما وفهما وخبرة.

اختراع العجلة
المشكلة هنا ليست في الجدل الفلسفي الذي لم ينته منذ خمس سنوات، بل في محاولة إعادة اختراع العجلة، فالشواهد التي تُطرح لتبرير استراتيجية تحرير بلد باتساع سورية، وفي ظل تكالب دولي ضد الثورة لا ينكره أحد، تكاد تتجاهل تماما مئات التجارب العالمية التي تؤكد مرارا وتكرارا أن الثورات الشعبية لا تنجح سوى باتباعها نهج حرب العصابات، لا سيما بعد الفشل الذريع لفكرة انشقاق الضباط، والتحويل المتعمد للجيش الحر إلى فصائل جهادية سلفية، فضلا عن اختراق تنظيم القاعدة لجسد الثورة وتبديد فكرة الثورة نفسها لصالح مشروع جهادي عالمي لا طاقة لنا به، وتحويل طاقاتنا المحدودة من ثورة تسعى إلى تحقيق العدل الإلهي إلى حرب مفتوحة تشترط تطبيق مفهومها في "الحاكمية" التي لم ينته المنظرون الإسلاميون من محاكمتها إلى الشرع أصلا منذ عصر المودودي وسيد قطب رحمهما الله.

عندما سئل النبي المعلم صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة مقاتلين، عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل رياءً، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (متفق عليه)، وعندما سئل ثلاث مرات متتاليات عن الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرَضا من أعراض الدنيا، فقال بكل إصرار: "لا أجر له" (رواه أبو داوود)، فحمْل السلاح والتضحية بالنفس وحتى الموت في ميدان الوغى، هي فضائل عظمى بلا ريب، إلا أنها لا تعصم صاحبها من الزلل إن لم تقترن بالنية الصادقة، كما أن الإخلاص لا يجتمع في القلب مع حب الرياسة والقتال بدافع الشجاعة والحمية، وإلا لكان الخوارج أسبق إلى الجنة من عليّ ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، وهم مضرب المثل في الترفع عن ملذات الدنيا.

حرب العصابات -التي ما زلنا نزداد إصرارا على أنها الحل الوحيد- تقتضي مقاومة شهوة النفس أولا، والتنازل عن شهوة امتلاك الأراضي الشاسعة وادعاء السيطرة عليها وحكمها، والتحصن في الجبال والغابات والكهوف، وشن الغارات المباغتة على معاقل النظام وحلفائه في المواقع العسكرية والحكومية الحساسة، وتدمير مهابط الطائرات، وتسميم مناهل الماء لجنود العدو، وحرق مخازن الوقود، واغتيال كبار الشخصيات، والأهم من ذلك كله انتزاع فكرة تحرير الأرض وإحلال عقيدة تحرير الإنسان مكانها.

حرب العصابات تمنح الجانب الأضعف دائما ميزة سرعة التحرك السلس والانسحاب، وتخلصه من عبء الاحتفاظ بالأراضي والمباني التي لا تفيده بشيء، وتقلل خسائره إلى أدنى المستويات بأقل الجهود، وتجر العدو التقليدي بجيوشه الجرارة إلى حرب استنزاف طويلة ومضنية. وعلاوة على ذلك تحقن دماء المدنيين وتبعد الخطر عن أعراضهم وأرزاقهم، وتخلّص المجاهدين من تحمل هذا الوزر العظيم في الدنيا والآخرة.

حرب العصابات التي يخشاها المجاهدون اليوم ليست حرب مرتزقة، فإطلاق مصطلح العصابات لا يعني أنهم سيتحولون إلى مجرمين، بل هو مصطلح عالمي يطلق على كل الثوار الحاملين للقضايا العادلة، وقد سبقهم إليه المجاهد الشهيد عمر المختار في ليبيا، وكل الثوار العظام الذين أنهكوا المحتلين في سورية والجزائر، وقد انتهجتها بنجاح كل ثورات التحرر من فييتنام إلى كولومبيا، مرورا بعشرات الدول في أفريقيا وآسيا والبلقان والقفقاز.

جبهة الساحل
إذا كانت للثورة السورية خصوصية ما، فيجب أن تكون في تركيز الجهد كله -وليس معظمه ولا بعضه- على نقل ثقل المعركة إلى الساحل السوري، وهو ليس بالأمر المستحيل كما يحاجج البعض، وإن كان أصعب من خيار تحرير المناطق النائية والركون إلى السلطة المنقوصة والزائلة فيها.

خمس سنوات من انتهاج استراتيجية التجربة والخطأ ينبغي أن تكون كافية للاقتناع أخيرا بأن هامش التجربة يكاد أن يتلاشى، وأن الخطأ لم يعد ممكنا التراجع عنه، فإما أن نكون على صواب أو لا نكون أصلا. ومدرسة التاريخ تقول إن الثورات الناجحة -فضلا عن الفاشلة- لا بد أن تنتهي على طاولة المفاوضات، ليس للاستسلام بل للتوافق على ترتيب الوضع الجديد، وليفرض القوي شروطه النهائية ويستحوذ على أكبر المكاسب.

يقال إن بعض قادة الفصائل يدركون حجم المؤامرة وانسداد الأفق، إلا أن عزة النفس تأبى عليهم الاعتراف بفشل استراتيجية التحرير والملاحم.

وإذا كان الجميع على يقين الآن بأن المجتمع الدولي لا يريد للثورة أن تنتهي بقتل بشار فضلا عن تنحيته، فلم يبق خيار سوى بالتحرك في الهامش الذي يضمن لنا الخروج بأكبر المكاسب، وهذا لن يتحقق بالسيطرة على أي أرض ولا بتحرير أي مدينة كما أثبتت التجربة، بل بترك الجبهات التي باتت أنقاضا خاوية ووضع جبال الساحل حصراً في أتون حرب العصابات التي تستنزف النظام وروسيا وإيران معا، ودفع الغرب للمسارعة في عرض صفقات السلام، وفرض الشروط الثورية من جديد على الطاولة تحت طائلة التهديد بمحو معاقل النظام عن الخارطة وبكسر الحلقة الأخيرة من الهلال الشيعي.

هذا الخيار الأخير هو الوحيد الذي سيحرج أيضا الممولين والداعمين للفصائل ممن يصرون على إطالة أمد القتال إلى أجل غير مسمى، وإذا كان المترددون يتذرعون بالخوف من قطع هذا الدعم فأين ذهبت شعارات التوكل على الله بعد أن امتلأت مستودعات الفصائل بالسلاح؟ وهل غابت عنهم قصص انتصار الثورات العادلة بالسلاح الفردي البسيط وبالاكتفاء الذاتي عندما انتهجت استراتيجية حرب العصابات؟ لا سيما وأن الدعم المقدم من السوريين المغتربين وحدهم كان يكفي منذ البداية لقلب موازين المعركة.

وحتى لو أخذنا بكل المخاوف والتهديدات في عين الاعتبار، فهل الاستمرار في استراتيجية "الملاحم الكبرى" لتحرير المدن سيؤدي إلى أي شيء؟ وهل سيفيد الفصائل تدفق مليارات الدولارات عليها من الداعمين المثبطين طالما ظلت الطائرات الروسية قادرة على دك أي منطقة يحررونها وتسويتها بالأرض؟ وهل ثمة سلطة يستمتع بها قادة الفصائل على بقايا مدن خاوية على عروشها؟ أم فاتهم أن حشرهم إلى إدلب بتواطؤ دولي ليس سوى بداية النهاية؟

يقال إن بعض قادة الفصائل يدركون حجم المؤامرة وانسداد الأفق، إلا أن عزة النفس تأبى عليهم الاعتراف بفشل استراتيجية التحرير والملاحم، فالاستمرار في الفشل أهون على النفوس البشرية بكثير من فضيلة الإقرار بالخطأ، ونحن لا نطالبهم باعتذار ولا اعتراف، بل فقط بتصحيح المسار قبل أن يفوت الأوان.

وإذا لم يكن هناك ثمة أمل في إقناع القادة، فلا مناص أمام بقية العناصر من حمل أسلحتهم فرادى ومثنى وجماعات، ورفع الراية الأخيرة على جبال الساحل، قبل أن نغرق جميعا في المركب الذي لم يعد يحتمل الترقيع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال البروفيسور آيال زيسر أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة تل أبيب، بمقال تحليلي على صحيفة "إسرائيل اليوم" إن روسيا باتت صاحبة البيت في سوريا.

الأكثر قراءة