ما هو واجبنا نحو الأمة غير الدعاء؟

في أغسطس الماضي، ومع فرح الكثيرون بدخول قوات المقاومة إلى حلب، توجس آخرون خوفًا من تكرار نفس السيناريو المتكرر منذ بدأ تسليح الثورة السورية. وما نراه في حلب الآن هو أعنف تجسد للسيناريو النمطي الذي رأيناه منذ بداية الثورة المسلحة السورية: "دخول المعارضة لمدينة – انسحاب قوات النظام منها – دك المدينة بالطيران والحصار والتجويع والقتل – اتفاقية الانسحاب – إجلاء المدنيين والكتائب – سيطرة النظام على الركام" بدءًا من حمص مرورًا بعدة مدن وقرى وانتهاءً بحلب الآن.
 

ويجب أن نفكر، ما الخلل؟ ما الخطأ الذي وقعنا فيه؟ لماذا لا تتعلم أمتنا من أخطاءها أبدًا؟.. ليس فقط في حلب، بل في أغلب بلاد المسلمين، سواء في حمل السلاح مع القدرة أو عدم القدرة بل في كل قرار تقريبًا، تجارب الانتخابات، عدم تطهير الجيش والشرطة، معاهدات مشينة.. إلخ. لماذا نسير متخبطون ونكرر نفس أخطاءنا بنفس الطريقة؟
 

إذا خرج الناس للقتال ورأوا أنهم عاجزون وقد زاد القتل والدمار أكثر مما كان واتحد عليهم الروس والمجوس، فماذا عليهم فعله؟

فكل من رفع سلاحًا الآن في بقعة من الأرض، يتدافع خير شباب الأمة من أطراف الأرض لنصرته واللحاق به بحسن نية.. كل من رشح نفسه لانتخابات ونثر شعارات مدغدغة لمشاعر المسلمين، أصبح الخليفة القادم وصوّت له الناس بلا سؤال عن التفاصيل. ثم نقع في نفس البركة من الدماء ونغوص فيها بأعناقنا وندفع مزيدًا من الشباب للمفرمة.
 

هناك العديد من الإجابات المصيرية التي تحتاجها الأمة من علماءها والتي تفرضها فريضة الوقت عليهم. بدلًا من نشر مزيدًا من الكتب عن الرقائق والزهد تضاف إلى ما لدينا من آلاف الكتب، نحن نريد تأصيلًا شرعيًا للواقع السياسي المعاصر في زمن العولمة الذي نعيش فيه على ضوء سنة النبي ﷺ. فمنهج الرسول ﷺ وحياته وسيرته وكفاحه، لم يكن قصصاً نتسلى بها في حضرات المساجد، ثم نمصمص شفانا ونمضي إلى حياتنا. منهج الرسول في الثورة وتأسيس دولة فوق ركام ظلم لم يكن لمرحلة في التاريخ عمرها 23 سنة وانتهت. بل كان منهجه ﷺ هو وحي رباني للتغيير في كل زمان. إن لم نستمسك به، فسنظل ندور حول أنفسنا نخسر دماء زهرة شباب الأمة حتى نرجع للمنهج أو يستبدلنا الله.
 

نحتاج أن نعرف كيف بنى النبي ﷺ دولته من الصفر، نحتاج أن نتعلم كيف قام النبي ﷺ بثورة اجتماعية وثقافية واقتصادية وفكرية. كيف استطاع التأثير في ذلك المجتمع وهو الذي بدأ وحيدًا، كيف نستنبط من السيرة قواعد سياسية واجتماعية للتغيير نسقطها على زمننا الحالي بعيدًا عن المواعظ المجردة. هذا كله في غاية الأهمية وهو فريضة الساعة. نريد اجتهادات من علماءنا ليجيبوا عن أسئلة مصيرية كثيرة:
 

هل نحن في العصر المكي، عصر الاستضعاف والصبر على الأذى، فيجري علينا أحكامه؟ أم نحن في الحقبة المدنية؟ هل نمرّ على المستضعفين من المسلمين ونصبّرهم كما صبرّ الرسول ﷺ سيدنا خباب بن الأرت؟ أم هو العصر الذي إذا انكشفت فيه عورة امرأة مسلمة في أي بلد وجب أن يقوم المسلمون لها؟
 

إذا خرج الناس للقتال ورأوا أنهم عاجزون وقد زاد القتل والدمار أكثر مما كان واتحد عليهم الروس والمجوس، فماذا عليهم فعله؟ هل يُكملوا ما بدأوا ويعتبروا الرجوع فرارًا؟ أم لهم أن يفعلوا مثل خالد بن الوليد في مؤتة لما سمّاه النبي ﷺ بـ "سيف الله المسلول" عندما انسحب بالمسلمين انسحابًا منظمًا وحقن الله به دماءهم، فصارت منقبة لخالد ولقبًا يحمله حتى اليوم.
 

نحتاج أن نعرف متى يكون القعود حكمة، ومتى يكون تخاذلًا؟ متى يكون الحاكم الساكت عن قتل المسلمين في بلد تبعد عنه كيلومترات معدودة حكيمًا صابرًا، ومتى يكون متخاذلًا؟ فهمنا لأمور كتلك كفيلٌ بأن يقيم أو يُسقط بلادًا، فالشباب الطيب مخلص النية يتخبط أمام تلك الحوادث لا يعرف ماذا يفعل، فيخرج على حاكم لا ينبغي أن يخرج عليه، أو يضحي بروحه لحاكم استغفله بشعارات جوفاء. ماذا عن المعاهدات مع الدول الأخرى سواء المحاربة أو غير المحاربة؟ فقد أقام النبي ﷺ العهود مع غير المسلمين، وعاهد صلاح الدين الأيوبي الصليبيين. فمتى يكون العهد معهم جائزًا ومتى يكون خيانة للأمة؟
 

كل تلك الأسئلة وغيرها كثير بحاجة إلى تأصيل ونشر الكتب عنها وتبسيطها للعامة ولا تكون منحصرة على نقاشات الخاصة من العلماء، فخروج شباب مخلص النية وتصدره لمعارك يجرّ معه فيها آلاف العوائل، يكون في أغلبه انجرارًا وراء العاطفة، وجهلًا بتلك الأحكام الشرعية. ويجب ألا تكون تصريحات العلماء مرهونة بالحوادث، وألا تكون عبارة عن كبسولات علاجية لمشكلة معينة في فترة معينة في بلد معين فقط. بل يجب أن يكون هناك تأصيل شامل لأسلوب النهضة، يجب علينا أن نرى اللوحة كاملة ولا نعيش داخل منعطفات المتاهة الآنية.
 

يجب أن نضع اللبنة المسؤولون نحن عنها في بناء الأمة ولنعلم أننا قد لا نرى البناء حين يكتمل، ولكن المهم أن نكون حققنا هدف وجودنا

إن كل ثورة ناجحة كان وراءها فِكر واضح عمل عليه مفكرون وكتّاب وشعراء وناشطون وتناقش فيه الناس وتنقحت أراءهم، قد يتعثروا بضع سنين، ولكن الفكر الجديد في النهاية يستبدل النظام القديم. بينما ثورات رد الفعل الناتج عن الظلم التي تخرج بلا رؤية ولا خطة، تتعرض دائما للخطف والالتفاف حولها ثم الفشل. ذلك الفكر الواضح هو الذي ينتج عنه البصيرة، والدعوة لا تكون إلا على بصيرة كما قال الله عز وجل "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي"، وإلا حينها تحصل الانهزامات والانتكاسات.
 

ما نحتاجه فعلًا هو تحريك بحيرة الفكر الراكدة عند الشعوب، يجب أن يكون همّ النهوض بالأمة والبحث عن حلول عملية شرعية هو شغلنا الشاغل، ونتناقش فيه مع أهلنا ودائرة معارفنا. نحتاج للنقاش والعصف الفكري للأفكار وتنقيحها وتطويرها من كل الناس وكل التخصصات، كلّ بقدر علمه واطلاعه على الأحداث، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. وذلك التفكير والنقاش ينبغي أن يكون نظريًا وعمليًا في نفس الوقت. فالإجابات الجاهزة المحفوظة المجردة من أي سياق مثل "ننهض بأمتنا بالرجوع لديننا"؛ يجب أن تفصّل على الواقع، وأن تكون واضحة حتى تترجم لأفعال.

إن كنا لا نملك منعة ولا قوة، ونعذر نفسنا بأننا لا نملك إلا الدعاء، فنحن مازلنا نملك ألسنتنا وأقلامنا لنتكلم بين الناس ونكتب. وسيحاسبنا الله بقدر تقاعسنا عمّا نستطيع. ويجب ألّا نتعجل الثمرة ما دمنا نعمل ونزرع، فتغيير الأمم لا يحدث بين يوم وليلة، وقد نقضي نصف عمرنا أو عمرنا كله في التنظير ولكننا سنكون قضيناه في العمل لله، وهذا المهم.
 

فالله عز وجل قال لنبيه الكريم "لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"، وقال "وَإِنْ مَا نُرِيَنَّك بَعْض الَّذِي نَعِدهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّك فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وَعَلَيْنَا الْحِسَاب"، فهذا واجبنا بالتبليغ عن النبي ونشر هذا الدين بوضوح كما أنزل وفسّره النبي بأقواله وأفعاله في سيرته. يجب أن نضع اللبنة المسؤولون نحن عنها في بناء الأمة ولنعلم أننا قد لا نرى البناء حين يكتمل، ولكن المهم أن نكون حققنا هدف وجودنا ونخرج من وعيد الآية: "إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
 

فاللهم استعملنا ولا تستبدلنا



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال البروفيسور آيال زيسر أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة تل أبيب، بمقال تحليلي على صحيفة "إسرائيل اليوم" إن روسيا باتت صاحبة البيت في سوريا.

دعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى التظاهر احتجاجا على إعادة الصحيفة الفرنسية شارلي إيبدو نشر الإساءات ضد الرسول الكريم، ودعا الأمة الإسلامية إلى مظاهرات سلمية اعتراضا على هذه الإساءات.

الأكثر قراءة