دموع التماسيح.. العربية

يقول الله تعالى في سورة البقرة "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"
 
يعتصرني الألم كلّما رأيت صوراً لبقايا حلب، وأتمزق وجعاً على رجفة طفل انتشلوا بقايا طفولته من تحت الأنقاض، ويؤلمني وجع أم ثكلى، وأب عاجز، فأحير بين الصبر والعجز، وأقف متسمّرة مكاني.. عاجزة عن وصف خوفهم ومتعجّبة من صبرهم!

يا إلهي، كميّة اللاإنسانية في خارطة عالمنا قد لوّثت محيطات فرّقتنا فلجأنا لها وأغرقتنا! كميّة اللاشعور التي تكمن خلف واقعنا هي كصحراء قاحلة هربنا إليها فأنهانا الجوع!

أقف حائرة أمام دموعنا المرسومة بخطّيْن على وجوهنا النظيفة، وجوهنا التي تمكنّا من غسلها صباحاً، والتي تمكنّا من رؤيتها على المرآة كاملة غير مخدوشة ولا مجروحة، تلك الوجوه التي رسمنا عليها ابتسامة مركّبة، هي ذات الوجوه التي نرسم عليها أفواهاً حزينة بعد ساعات حين نتصفح الصور من على مقاعدنا وعلى أسرّتنا وفي منازلنا.. آمنين!
 

ستباد حلب.. ولن تعود مصر، وسنستمر في الصراعات الدينية والسياسية خالية المعنى والمغزى.. بلادي.. بلاد الحرب والألم..

دموع التماسيح
كلّما رأيت تعليقاً، وكلّما سمعت كلمة، وأينما التفتّ.. لا تحضرني سوى التماسيح! وأشعر أننا كلّنا تماسيح، في مياه ضحلة ملوثة بدماء الأمهات وأشلاء الأطفال وصرخات الرجال واستغاثات العجزة وبقايا الأوطان..

نهرب للقاع إن سمعنا دويّ القصف، ونلعن الحرب، ونكره الدمار.. ولكننا نعود! لأننا ببساطة قد "تمسحنا"!

لبسنا جلوداً سميكة لم تعد تتخيل معنى البرد، وافترسنا ذواتنا بأسناننا فلم نفهم معنى الاحتلال والاغتصاب ولا حتى الخوف.. وجلسنا نراقب الأخبار ونسمع كل ما يدور حولنا وننظر.. بصمت! إذاً لعلّنا تفوقنا على التماسيح.. أو في طريقنا نحو التفوق!

ألتفت فأرى أن الأوطان قد تيتّمت بعد أن ابتليت بحلب! نعم تيتّمت فقد قتلت أم الدنيا أيضاً.. واختلط حابلها بنابلها، والتهى الناجون فيها بأحاديث الدين والسياسة، وتبادلوا الأفكار القذرة والألفاظ النابية.. ونسوا.. 

ونحن نقف في المنتصف، وسط ضجيج حلب، وذكرى مصر.. بين خيال سوريا وصورة مصر! ننظر بصمت.. عاجزين..

ستباد حلب.. ولن تعود مصر، وسنستمر في الصراعات الدينية والسياسية خالية المعنى والمغزى..
بلادي.. بلاد الحرب والألم.. ستجلسين بجانب فلسطين صامدة وصابرة وستشاهديننا أنت من بعيد، وستتبادلان الحديث عن تخاذلنا، وستشكو كل منكما للأخرى، وستشيعان جثامين أرواح قدّمت مهوراً لعرس تحريرك البعيد.. وتضحكان على لحظة ظننتما أن أحداً استطاع أن يلبي نداءكما أو يسمع رجاءكما..

إن الأمهات الثكالى، والزوجات الأرامل والعجزة المقتولين والأطفال الشاردة، كلهم يناجون بلا كلل أو ملل ولكن دون أي جدوى.. لأنهم ببساطة يناجون كائنات إن خرجت من وحل واقعها، ستهجم نحوها وتفترسها بعجز، فتبيدها.. ثم تذرف دموع التماسيح!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

حثّ برلمانيون بريطانيون حكومتهم على التحرك لمساعدة المدنيين في حلب وفتح ممرات آمنة لهم، بينما شبّه نائب محافظ ما تتعرض له المدينة بما تعرضت له مدينة سربرنيتشا البوسنية عام 1995.

يعقد مجلس الجامعة العربية جلسة طارئة على مستوى المندوبين لمناقشة الوضع المأساوي بحلب السورية. وقالت مصادر دبلوماسية إن الأمانة العامة للجامعة تلقت مذكرة بهذا الخصوص من سفير قطر لدى الجامعة.

عمت المظاهرات العديد من المدن الأوروبية تضامنا مع حلب وللمطالبة بوقف المجازر التي ترتكب بحق المدنيين، وكان أبرزها تلك التي شهدتها باريس وبرلين، كما شهدت برشلونة الإسبانية وستوكهولم السويدية احتجاجات.

الأكثر قراءة