حرب أمريكا والصين لن تقع

الصين غاضبة. وسبب غضب التنين الصيني هو تصريحات وتصرفات الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب. آخر المعلومات المتواترة تقول بأن بكين وجهت أول تحذير واضح من تدهور العلاقات مع واشنطن بسبب تصريحات سيد البيت الأبيض الجديد الذي تجرأ وهاتف رئيسة تايوان، الدولة التي تعتبرها الصين جزء لا يتجزأ من وحدتها الترابية.

لكن ليست هذه المكالمة وحدها من أقلق الصين. فما اعتبرته بكين ابتزازا أمريكيا من طرف ترمب هو إعرابه عن إمكانية تراجع واشنطن عن دعم مبدأ "الصين الواحدة" إذا لم تقدم بكين تنازلات حول التجارة وقضايا أخرى، فقد اتهم ترمب الصين بالتلاعب بالعملة وفرض ضرائب غير عادلة على الصادرات الأميركية وعسكرة بحر الصين الجنوبي..

أمريكا تعتبر أن الخطر القادم بالنسبة لها سيأتي من الصين، وهي تحاول مواجهته بكل الأساليب الممكنة من التعاون إلى الاحتواء إلى التنافس.

في البداية اعتبرت بكين الاتصال الهاتفي بين ترمب ورئيسة تايوان بأنه ينم عن "قلة خبرة" الرجل القادم من عالم العقارات إلى عالم السياسة الدولية، فآخر حرب بين البلدين في خمسينات القرن الماضي كانت أيضا بسبب تايوان وكادت إلى أن تتحول إلى حرب نووية عندما هدد رئيس الولايات المتحدة آنذاك دوايت أيزنهاور بقصف الصين بالقنبلة النووية.

ما عبرت عنه بكين بلغة دبلوماسية ناعمة أفصحت عنه الصحف الصينية التابعة للحزب الشيوعي الحاكم بصريح العبارة واصفة ترمب بأنه يجهل الدبلوماسية مثل "طفل"، بل وحذرت ذات الصحف بأن بكين لن تتوقف عند لغة التهديد وإنما ستدعم بالسلاح "القوى المعادية للولايات المتحدة". صحيفة صينية أخرى ذهبت إلى حد الدعوة إلى زيادة الإنفاق العسكري بشكل كبير وبناء المزيد من الأسلحة النووية، ردا على تصريحات ترامب.

وللتخفيف من حدة التوتر تدخّل البيت الأبيض لاحتواء الغضب الصيني بالتأكيد على أن واشنطن ملتزمة بسياسة "صين واحدة" التي انتهجتها العلاقات الأمريكية الصينية طيلة العقود الأربعة الماضية.

لكن وراء التصريحات الفجة لترمب، والبيان الدبلوماسي الصادر عن البيت الأبيض، تكمن عقيدة أمريكية ثابتة عبرت عنها المرشحة الديمقراطية السابقة، ووزيرة خارجية أمريكا السابقة هيلاري كلنتون التي نُقل عنها في جلسات خاصة قولها "لا أريد من أحفادي أن يعيشوا في عالم تهيمن عليه الصين"، حسب ما أوردته مجلة "أتلانتيك".

فأمريكا تعتبر أن الخطر القادم بالنسبة لها سيأتي من الصين، وهي تحاول مواجهته بكل الأساليب الممكنة من التعاون إلى الاحتواء إلى التنافس.. وكل ذلك من أجل تجنب المواجهة المباشرة.

لذلك يعتبر الكثير من الخبراء أن "حرب التصريحات" بين العملاقين الاقتصاديين العالميين ما هي سوى "حركات تسخينية" استعداد للمفاوضات المعقدة بينهما حول مصالحهما الاقتصادية والتجارية والعسكرية والاستراتيجية.

بكين تدرك أن تصريحات ترمب حول تايوان ما هي سوى "تقنية للتفاوض"، كما أن واشنطن تعي أن لغة التهديد العسكري في الصحافة الصينية هي موجهة بالدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي حتى لا يُفتح الباب أمام ظهور حركات انفصالية أخرى داخل الإمبراطورية الصينية المترامية الأطراف والمتعددة الإثنيات والديانات.

المؤكد هو أن الحرب العسكرية التي تدق طبولها بين العملاقين لن تقع. فبكين مثل واشنطن، كلاهما تعيان أن الحرب العسكرية بين البلدين ستكون مدمرة ليس فقط لبلديهما وإنما للعالم، لذلك فهي تبدو اليوم بعيدة الاحتمال. وحتى لو دخل البلدان في سباق تسلح فسيكون مدمرا لهما، وستكون له انعكاسات سلبية على أمريكا قبل الصين. فالصين تنفق حاليا نحو 131 مليار دولار سنويا على نفقاتها العسكرية بينما تتجاوز النفقات العسكرية الأمريكية ألف مليار دولار سنويا مما يشكل إرهاقا أكبر لميزانيتها. وللتذكير فقط، "الاتحاد السوفياتي" السابق انهار لوحده ومن الداخل بسبب إنفاقه الكبير على السباق المجنون الذي كان قائما بينه وبين أمريكا إبان فترة "الحرب الباردة".
 

لكن، وبالمقابل فالبلدان يعيشان أجواء حرب باردة اقتصادية منذ سنوات، وما تخشاه كلاهما أن تنتقل هذه الحرب إلى شريان الاقتصاد الأساسي، أي إلى التجارة، وتنشب الحرب التي يحاول كلا الطرفين تجنبها وتفادي تداعياتها.

الطرفان معا لا يرغبان في المواجهة، فعلاقاتهما الاقتصادية بقدر ما هي متنافسة فهي أيضا متداخلة ومترابطة، والاستثمارات الأمريكية المباشرة في الصين فاقت 228 مليار دولار خلال ربع قرن الماضي، والاستثمارات الصينية المباشر في أمريكا ستفوق هذا العام فقط 30 مليار دولار. ومنذ عام 2014 تجاوزت الاستثمارات الصينية في أمريكا نسبة الاستثمارات الأمريكية في الصين. وحسب وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية فإن أكبر دائني الولايات المتحدة الخارجيين هي الصين التي بلغت استثماراتها بنهاية شهر مارس من العام الحالي 1.244 تريليون دولار في الديون الأمريكية.

بعيدا عن تصريحات ترمب المستفزة، ستجد أمريكا نفسها مضطرة من أجل تجنب مصير كارثي لنفسها وللعالم إلى القبول بالأمر الواقع والتعايش من جديد مع منافس من طراز آخر.

إننا أمام تحول تاريخي كبير، فبعد انهيار عالم القطبية المزدوجة على إثر انهيار "الاتحاد السوفياتي" نهاية ثمانينات القرن الماضي، فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في إقامة عالم بقيادة واحدة، وخلال ربع القرن الماضي شهد العالم حروبا مدمرة أكثر من تلك التي شهدها العالم في زمن الحرب الباردة.

وما نشهده حاليا هو حالة مخاض ولادة قوة عالمية جديدة ستكون أمريكا مجبرة على تقديم تنازلات لها من أجل التعايش معها ومن أجل ضمان سلام عالمي أكثر عدلا مما هو موجود حاليا. إننا أمام بزوغ نظام عالمي جديد سيكون قائما على التنافس الاقتصادي أكثر من الميل إلى المواجهة العسكرية.

وبعيدا عن تصريحات ترمب المستفزة، ستجد أمريكا نفسها مضطرة من أجل تجنب مصير كارثي لنفسها وللعالم إلى القبول بالأمر الواقع والتعايش من جديد مع منافس من طراز آخر، فحتى في حالة التفكير في الدخول في حرب معه فإن هزيمته ستكون أكثر كلفة من بقائه كمنافس قوي. لأنه لا أحد سيتوقع حجم الفوضى التي ستعم العالم في حال انهارت الصين.

في حواره الطويل مع مجلة "أتلانتك" يسأل المحاور الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما عن الدولة التي يعتبر أنها ستشكل أكبر تحدي لأمريكا في العقود القادمة، فيجيب أوباما بدون تردد "أظن أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ستكون الأكثر خطرا"، قبل أن يستطرد "إذا كنا نسير بشكل صحيح واستمرت الصين بالصعود السلمي، فنحن لدينا شريك في القدرات ويشاركنا بالأعباء ومسؤوليات الحفاظ على النظام العالمي". وهذا ما نتمنى أن يحدث مستقبلا لأن الحرب الصينية الأمريكية لو وقعت فستكون تلك هي نهاية العالم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اقترح كاتب أميركي على الإدارة الأميركية الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران لقطع ما سماه أذرعها الخطرة بالمنطقة، باعتبار أن الشرق الأوسط أكبر تهديد أمني للولايات المتحدة بعد كوريا الشمالية.

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب بشأن إمكانية تخلي بلاده عن "سياسة الصين الواحدة" غضب بكين، وحذرت الصحف الصينية الرسمية من أن ذلك سيدفع الصين إلى دعم أعداء أميركا.

كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت أن أجهزة المخابرات الغربية، لاسيما الأميركية والبريطانية لم تكتف بالتجسس على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والمسؤولين الكبار، وإنما تواصل تجسسها على دبلوماسيين إسرائيليين بدرجات منخفضة.

الأكثر قراءة