أصوات من حلب

السارق لا يسرق إلا في العتمة.. يقتحم البيوت ويخطف أرواح الناس.. وعين الصحفي متيقظة تحرس الإنسان والمكان، وتبقي الكاميرا حية لأن الجاني، وإن كان لا يخجل من قبح فعلته، يحاول التستر أو لنقل تجنب الضجيج الذي قد يعكر صفو مزاجه، ويشتت انتباهه عن الانتقام والفتك بالضحية.

تقول التقديرات إن نحو 100 مليون شخص لقوا حفتهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية. اقترفت جميع الأطراف مجازر مروعة، شُرد ملايين البشر، وتغيرت في القصف ملامح مدن بأكملها.
 

لم تتوفر في ذلك الوقت كاميرات التصوير ولا طواقم صحفية كبيرة توثق الجرائم، وتنقل للعالم فظائع الحرب. صور محدودة كانت على الأغلب في طرف الجاني توثق لبطولاته وانتصاراته. أما الضحايا فقد حاولت كتب التاريخ لاحقا سرد قصصهم، وحاولت السينما استعادة صورتهم ومآسيهم. ولذلك لم يتسن للعالم في ذاك الوقت مشاهدة الحرب كما نشاهدها اليوم.

لم تستطع عدسات الصحفيين ولا كاميرات الناشطين وقف الكارثة، لكنها على الأقل فضحت المجرمين، ووثقت الجرائم للتاريخ وللأجيال التي سيقع على عاتقها مقارعة المستبدين.

مع بدايات الربيع العربي، حاولت الأنظمة المستبدة كبح الثورات على الأرض، واستعملت بموازاة الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع كل وسائل التعتيم على المتظاهرين والانتهاكات بحقهم. ولأن الأنظمة كانت تسيطر على معظم القنوات التلفزيونية، لم يبق أمام المتظاهرين إلا فضاء الإنترنت. سميت في تونس ثورة الفيسبوك، وفي مصر ثورة تويتر، وفي سوريا ثورة سكايب.
 

استخدم النشطاء شبكات التواصل الاجتماعي لإسماع العالم أصواتهم، وتوثيق انتهاكات أجهزة الأمن. قناة الجزيرة وفرت منصة لمقاطع الفيديو التي أرسلها نشطاء ومتظاهرون، وحاولت من خلال بعض الطواقم الصحفية في ميادين الثورة إبقاء البث حيا على الهواء رغم كل المخاطر. بعد خمس سنوات واجهت سوريا حالة متقدمة من التوحش في قصف مناطق الثوار وقتل المدنيين. وفي حصار مدينة حلب ظلت الجزيرة حتى المربع الأخير. رفض مراسلها عمرو حلبي مغادرة المكان عندما لاحت في بدايات الحصار فرصة خروج آمن.
 

أصر عمرو الذي أخذ كنيته من اسم مدينته على البقاء كي يواصل مهمته الصحفية، وهو يدرك حجم الخطر المحدق وشبح الموت الذي يحوم فوق حلب. في الأيام الماضية كان عمرو في بث مباشر من داخل أحد مستشفيات حلب عندما تعرض للقصف. نقل للعالم أوجاع المدينة التي انهمرت عليها البراميل المتفجرة دون رحمة. ويتابع حتى لحظة كتابة هذه السطور اتفاق وقف إطلاق النار ومساعي إخراج المدنيين المحاصرين. لم يسبق في التاريخ أن قتلت أعداد كبيرة من البشر ودكّت مدن على الهواء مباشرة كما حدث في حلب.
 

بل كان العالم ينتظر وقوع مجازر مرتقبة ومشاهدتها أثناء أو فور وقوعها. صحيح لم تستطع عدسات الصحفيين ولا كاميرات الناشطين وقف الكارثة، لكنها على الأقل فضحت المجرمين، ووثقت الجرائم للتاريخ وللأجيال التي سيقع على عاتقها مقارعة المستبدين. كان يمكن أن نتخيل فظاعة الكارثة في الظلام الدامس لولا صور هؤلاء وأصواتهم. عمرو حلبي، أحمد أبا زيد، صلاح أشقر، لينا شامي بلال عبد الكريم وآخرون أضاءوا بكاميراتهم سماء حلب، كي لا تمتد يد السارق ويسرق الثورة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انهار وقف إطلاق النار في حلب ودارت اشتباكات عنيفة، وتأجل اتفاق لإجلاء المدنيين والمقاتلين. بينما أكدت المعارضة أن إيران والنظام السوري وراء إجهاض الاتفاق الذي أبرم مع روسيا بوساطة تركيا.

نقل موقع إخباري أميركي عن ناشطين وثوار سوريين بحلب أن إعدامات جماعية بدأت في المدينة، وأن الأطفال يُحرقون أحياء بينما تواصل قوات بشار الأسد المدعومة من إيران وروسيا تقدمها.

الأكثر قراءة